وفي الخارج خلف زجاج النوافذ المخططة بشعيرات المطر، كانت الحياة في معمل البترول تجري كالمألوف في مدينة المضخات والأفران والبطاريات والبروج والقباب والأعمدة والخزانات، والعمال يروحون ويغدون محملين بالمواسير والآلات في أيديهم، وعربات النقل تمر في ضجة، والدخان الذي تسوقه السحب والمطر يطفو كأعلام منكسة، والرياح تدفعه فيتبدد، محاولا التسلل على طول النوافذ، متلويا - في عناد - كأنه دخان نار أوقدت، ويبحث عن منفذ إلى السماء ولكن السماء ترده إلى عالمه، عالم الأبراج والأفران والبطاريات والخزانات.
وقال سباستيان لودوس - في صوت مكتوم: «سأعترف لك بشيء ... وهو اعتراف صعب، ولكنني أعرف أنه سيصبح غدا أكثر صعوبة، غدا وفي المستقبل وإلى الأبد» ... ولم يقم فان دن فونديل بأية حركة، ولاح أنه لم يسمع شيئا واستمر ينظر إلى الطين الذي يغطي حذاءه، وقد انهارت رأسه المستديرة فوق صدره، وكأنها تستعد لأن تنفصل وتتدحرج عند قدميه.
واستأنف سباستيان لودوس قائلا: «أعتقد أنه بالنسبة لهذا الكائن.»
وتوقف لأن الألفاظ لم تسعفه، وقد ظل الاعتراف غامضا حتى بالنسبة له نفسه، وكان من الصعب أن يدلي به للغير.
ورفع فان دن فونديل يده الممسكة بالصحيفة وأسندها إلى حافة المائدة.
وحدق فيه من تحت حواجبه الغزيرة وقال - في ألم: «أنا أعرف ... لا فائدة من أن تقول شيئا إذا كان لديك شيء من العاطفة نحوها فلماذا أخفيته؟ ... لماذا أخفيته على نفسك؟ ... لماذا لم تمنع ذلك؟»
وغطى سباستيان لودوس عينيه بيده وأجاب: «لم أكن أدرك الحقيقة، وعندما اكتشفتها كان الوقت قد فات.»
وأجاب فان دن فونديل - بنغمة قاسية: «وكيف فات الوقت ولم يمض غير ساعتين؟ فقبل الساعتين لم يكن هناك محل لفوات الوقت، وقد مضت ثلاثة أيام وثلاثة أسابيع وثلاثة شهور، ولم يكن الوقت قد فات!»
وقال سباستيان لودوس: «لقد كانت زوجة مديري.»
وهز فان دن فونديل كتفيه وحدق في وجهه بشفقة، واستمر المهندس الشاب يقول: «لقد كانت زوجة مديري، وواجبي كرجل شريف حظر علي أن أكشف لها عن مشاعري، وفوق ذلك فعلت كل ما أستطيع؛ لكي لا يثير سلوكي عندها أي شك، وتجنبتها، وعندما كنت ألقاها كنت أدير لها ظهري؛ لكي أتحدث مع أي إنسان ألقاه في أي موضوع كان.»
وقال فان دن فونديل بابتسامة مرة: «لقد كنت بطلا ... رجل شرف ... لو كنت وغدا لدنست شرفها، ولكننا ما كنا لندفن اليوم حفنة من الرماد!»
وجرت في سابستيان لودوس رعدة، وأخفى وجهه بين يديه، واستمر فان دن فونديل - في غير رحمة - قائلا: «لقد كانت وحيدة وتعسة، وكان شبابها في حاجة إلى دفء شباب آخر، ولم نستطع أن نفعل شيئا لا أنا ولا الثري زهاربادو هو ولا السيدة مداليا جريتزسكو زوجة كبير المهندسين، ولكن أنت، أنت الذي كنت تحبها، يا له من شيء محزن! لقد كان يكفي أن تحس بهذا الحب من بعيد، والحب يولد الحب، وعندئذ كانت ستجد فيك سندا كاللبلاب الذي يتسلق على الجدار.»
وتمتم سباستيان لودوس قائلا: «لقد كانت شريفة متكبرة.» - متكبرة؟ ... لا ... ولم يكن هناك ما يدعوها إلى ذلك. وأما شريفة فنعم، ولكن الحب لا يخل بالشرف، وكان من الممكن أن تحب، وكنا نستطيع أن نبعدها من هنا، وكنت أنت ستنتزعها من هنا، وبعد أن ترحل تلحق بها. - إن مستقبلي إن لم يكن يسمح بذلك ... وكان فيه تحطيمه.
وزمجر فان دن فونديل - في نغمة كئيبة: آه ... المستقبل ... البترول، هناك في لندن أبله آخر هو خطيبها الأول الذي ذهب إلى هناك؛ لكي يرتب لمستقبله على جثتها ... المستقبل! ... البترول! ...»
ونظر إلى الخارج من خلال النافذة.
ومن كل جانب كانت الحركة دائبة حول الغلايات الملتهبة وكائنات لطحنها الدخان بالسواد حول الغلايات الحمراء والسواء.