تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويل لمن يجهل أن السعادة هي أن يحس الإنسان بقلبه ينبض في أرض الإنسان الطيبة، تلك الأرض الرفيعة المستوى التي تمدك بعصيرها المنعش.

فخلال السنوات التي التحمت فيها حياتي بحياة باربايني في كل موحد، كانت الطبيعة نفسها تبدو لي ودودة أخوية شاعرية، وكان كل شيء يلوح لي جميلا وجديرا بأن يحب، وفقد القبح ما يوحي به من تقزز، وكانت الحماقة تصطدم بسخريتنا، والاحتيال ينكشف، وعنف الأقوياء لاح لي محتملا، وعندما كان الاحتكاك بالابتذال يأخذ بخناقنا كنا نهرب منه إلى الحياة في صمت ... إلى الحياة؛ حيث تتحدث الطبيعة وحدها بالعينين والقلب، كان باربايني قادرا على أن يمشي يوما بأكمله دون أن يتفوه بلفظ، وبالنظرة وحدها كان يريني ما يستحق الانتباه، وكان يسمي هذا حماما مطهرا، وكان هذا حقا، فمشاهد الطبيعة الصامتة تطهر وترد للإنسان - الذي تجرحه الحقارة - روحه، وليس هناك - مهما بلغ من القوة - من يستطيع أن يمر بالميكروب دون أن يحس بالعدوى.

ولكن هذا الصديق الكبير لسن يفاعتي، كان فوق ذلك عالما بالعصر القديم وفلسفاته، وبجميع أحاديثه عن الحياة، وهي الأحاديث التي كانت ممتعة في أوقات الراحة، وكان يؤديها بأمثلة يستمدها من الحكمة، وهو لم يكن حكيما، ولكنه كان يحب سكينة القلب الواعية.

وقال لي: إن عاجلا أو آجلا، لا بد أن ينتهي الرجل الذكي إلى فهم عدم جدوى الصخب العاطفي الذي ينزل الاضطراب بالسلام ويحرق الحياة، وسعيد من يصل إلى فهم ذلك سريعا، فإن ذلك سيزيده متعة بالحياة.

وفي يوم من أيام الخريف البارد وجدنا أنفسنا في معسكر للمناورات بالقرب من حلب؛ فانقض الجنود على شرابنا الساخن، وأسرع الضباط أنفسهم لينعموا به، ولما كانت لدينا جمرات تحت الإبريقين فقد وقفوا يستكتبون ويتحادثون، وقص ضابط كبير على مرءوسيه حماية الجنرال صديق الإسكندر الأكبر الذي أعطى رأيه إلى جانب اقتراح السلام الذي تقدم به دارا، قائلا: «كنت مستعدا أن أقبل لو أن الإسكندر الأول أو القاهر الأكبر كان قد رد.»

وأنا أيضا لو كنت ... لو كنت ...

وارتبك الضابط التركي وقال: «آه ... ماذا كان اسم صديق الإسكندر هذا؟»

ورد باربايني الذي كان ينصت للمحادثة: «بارمنيون.»

فصاح الضابط: «برافو أيها العجوز، كيف عرفت ذلك، والإنسان لا يلتقي بإسكندر الأكبر وهو يبيع السحلب؟»

فأجاب صديقي: «بل نعم، فجميع الناس في حاجة إلى أن يستدفئوا كما ترى!»

وراق الضابط هذا التلميح المزدوج المعنى، وترفق فتحدث معنا، ولكن في تلك اللحظة التقت نظرتي بنظرته فقال: «لقد رأيتك في مكان ما، ووجهك معروف لي.»

فأجبت - وقد علت الحمرة وجهي: «لقد كنا في نفس العربة مع مصطفى بك في القسطنطينية منذ خمس سنوات.»

إي والله، هذا حق، أنت الغلام الذي كان يبحث عن أمه ذات العين المفقوءة أيها البائس، لا بد أنك قاسيت الأمرين من هذا الشيطان اللعين.

قاسيت كثيرا ... لم أكن أعرفه.

ولكن هل يستطيع الإنسان أن يطمئن على هذا النحو إلى أول من يلقاه عندما يأخذ في مداعبة خدود طفل؟

وظل الضابط يتحدث إلينا وقتا طويلا، وكشف لي عن السوءات التي كان يرزح تحتها مصطفى بك، ثم اهتم بباربايني وتحمس لثقافته، وعند افتراقنا شد على أيدينا في حرارة ورجانا أن يقبل كل منا جنيها تركيا من الذهب قائلا: «إنه ليس بقشيشا، لكنه تقدير لحكمة العجوز ومحنة الشاب.»

وعند العودة إلى المنزل استخلص باربايني العبرة فقال: «انظر يا استاورو ... في كل مكان مضللون، ولكن الذكاء يسقط الحواجز حتى ولو كانت ترتدي حلة عسكرية.»

وأخذ باربايني يدخل في الشيخوخة، ومرض القلب يجعله من عام إلى عام غير صالح لكسب قوته، والتعب يرهقه، وأصبحت السوداوية تعاوده مرات أكثر، وكنت أنا في الثانية والعشرين قويا شجاعا واسع الحيلة، وبفضل المدخرات الصغيرة التي كانت لدينا استطعت أن أقرر دعوته إلى الخلود إلى الراحة ؛ ولكي تروقه تلك الراحة اخترت لإقامتنا مكانا لم نستكشفه من قبل؛ هو جبل لبنان.

قصص رومانية · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قصص رومانيةص ٤٩