من أين أتيت أيها القط الأسود كسواد الظلام، واللدن كالبخار المتصاعد من الهوات الداكنة؟ وكيف اخترت مسكننا مأوى؟ وهل كنت عندنا من قبل أثناء غيابنا أو نومنا أو رحلاتنا إلى البحيرات المكسوة بقصب الأعشاب؟ كيف هبطت إلى هنا؟
هل أرسلك أحد لا نعرفه يعنى بنا؟
نياو! هكذا أجاب القط، وقد رفع نظراته المشعة من عينيه القمريتين نحونا واثقا من أنها ستلتقي بنظراتنا، فالله قد منح جميع الكائنات التي خلقها وسيلة للتفاهم، والأعين هدية السماء، وقد خلقت خارج إطار الدم واللحم، وكأن كل عين زهرة تحمل في جوفها فتاتا من نجمة.
ما دمت قد أتيتنا فجأة؛ فأهلا بك يا مينو، انظر إلى هذه الأريكة، سأعطيها لك هدية! وانظر إلى هذه المرآة التي ستتجمد أمامها! وفي هذا الإناء الفخاري المطلي بالميناء، ستجد نبع ماء لفمك الصغير الشبيه بورقة القرنفل الوردية الشاحبة، وسيملؤه لك الأطفال كل يوم بدلوهم البلوري، وها هم الأطفال.
وأجاب القط: مياو مياو!
وفراؤه المخملي يمتد على طول جسمه من الصدغ إلى الذنب، وهو يروح ويغدو حاكا دفئه بسيقان الأطفال العارية.
والولد الذي لم ير القط من قبل في قمة الانفعال، بينما الطفلة مأخوذة بفرائه الأسود كالليل، وبقفازات مخالبه الناعمة كريشة فنان، والجدة الأكثر خبرة في كثير من الأشياء تضفي علي القط وفرائه فضيلة جلب السعادة.
ولم يتركنا القط، وفوق وسادة من الحرير الخفيف التي تشبه الظلال مطرزة بخيوط من الذهب أخذ ينام ليلا ونهارا، وكأنه سيستريح طوال حياته من مشاق ثقيلة أنهكته في حياته السابقة، ولما كنا نعمل بلا راحة، فقد سعدنا بأن نؤوي في بيتنا عاشق الراحة والكسل الباسم، وقد زينا الحجرة التي ينام فيها قطنا بأثمن ما نملك من مقدسات: الذبالة والكتب والأيقونات، وما احتفظنا به من مخلفات الأجداد كساعة الحائط التي تدق الساعات في بطء كأنها ناقوس البرج، والأبسطة الصوفية المخططة كأنها الطرق عندما تستحم بضوء الشمس، وشرابة حرير من المفرش تداعب أذن القط، وكأنها فراشة سوداء نسيت على صدغه ذي الشوارب.
إنه يغزل كالمغزل، ويوشوش كالبحر، ويغني كالريح، ويصفر كسيقان القمح، على نحو ما تنتحب الغابة، والماء ينساب منها، ويئن الصفصاف وتزمجر العاصفة، وهو في نومه يضع أذنه على الأرض ليسمع مزهر العالم، وصوته يغني في كل شيء في السماء وفوق الأرض، وفي الهاوية، وفوق القمم الضاربة في الفضاء، وحلمه يسمع كصدى قيثارات المياه! (3) شجرة العرائس
1
ما دمتم قد كنتم عقلاء، وما دمتم لم تدقوا اليوم الطبل بالعصي فوق الطست، وما دمتم لم ترموا الأطباق من النافذة، وما دمتم لم تكسروا أسنان الأقلام التي أشحذها بعناية كل يوم، وما دمتم لم تتركوا الصنابير مفتوحة تغرق البيت كله، وما دمتم لم تلطخوا مقابض الأبواب بالمربى، وما دمتم لم ترموا في النار كيس طباقي، وما دمتم لم تحاولوا إصلاح ساعتي بالشاكوش ولم تشووها بعد، ما دمتم لم تصنعوا من حذائي حساء، وما دمتم لم تحدثوا خروقا وفتحات جديدة في ملابسي، فإنني سأصحبكم معي! نعم ... هيا يا صغاري الأعزاء! البنت مع بابا، والولد مع ماما لنتنزه في الحقول بصحبة كلبنا جريفي!
سنخترق أولا ستائر الأعشاب المجنونة، ونسير عبر غابات الشيح، وعبر دانتيللا براعم الأقحوان الصفراء.
وبمجرد أن نخرج من هذه الجنة الوحشية، ستحس أقدامكم بعش القديس جان ندوس على بساطه: أنا بأرجلي الكبيرة، وأنتم بكعوبكم الصغيرة التي تشبه قطع الخبز المجمرة الوردية، ولا تلقوا علي أسئلة كثيرة في وقت واحد حتى لا أرتبك، ولا تكونوا طلعة فتسألوا لماذا الأرض سوداء والعشب أخضر والسماء زرقاء؛ وذلك لأنني لا أعرف شيئا عن ذلك إطلاقا! وستنطلق أمامنا عصافير، وقطا مستحيل الجسد، وغربان كبيرة، فلا تسألوني كيف ولماذا تطير لأنني لا أعرف، ولا ترموني بالحجارة، وإلا اختفيت في العشب، ورفضت أن أستمر في السير ما لم يعطني كل منكم عشر قبلات صغيرة؛ واحدة على خدي، والثانية على الخد الآخر، وعلى الذقن، وعلى طول أذني، وعلى عيني مغلقة.