وبعد أن هدأت قليلا أخذت تتحسس في الظلام حتى وجدت مقبض الباب، وفتحت دون أن تحدث صوتا وذهبت لتنام، وهي ترتفي في رف لعمها، قائلة: «آه المسكين! كم هو غني!»
وفي صباح اليوم التالي عندما دخلت حجرة الحاج وجدته في قميص النوم ... قميص بال ممزق، ووجهه نحو الأرض، وقد تمدد مغلق العينين فوق كومة من الذهب وهو مغطى بالذهب، واتخذ من كومة أخرى من القطع الذهبية وسادة.
وعندما رأته بنت أخته أخذت تبكي.
ولكن فيما يشبه المعجزة اهتز الحاج مرتجفا، فصلصلت قطع الذهب على طول جسمه من قدميه إلى جبهته، ورفع رأسه وفتح عينيه وأدار نحو ليانا نظرة خايبة، ثم تمتم بعبارات غير مفهومة ، وعض الهواء بأضراسه العارية، واستطاع أن يقول: لا تنظري ... اقفلي عينيك ... فالعينان أيضا تسرقان ... اقفلي عينيك.»
فتح فمه فانهار لسانه في حلقه، ومالت رأسه إلى ناحية وتصلبت ساقاه، وتشنجت يداه بين قطع الذهب، ونام إلى الأبد مفتوح العينين، ومحدقا في ليانا، وعندما غسلوه رأوا على ركبتيه وصدره وجبهته خاتم القطع الذهبية! ولكنه كان من الشاق إسدال جفنيه دون خلعهما، فإغلاق عينيه المذعورتين كان أمرا مستحيلا.
وأقامت له ليانا جنازة ضخمة ضمت عشرة قسيسين ومطرانا وعربة، وقربانا وراية كنيسة الترينيتين وزهورا وشموعا وأقمشة حداد، حتى أخذ من شاهدوا تلك الجنازة يقولون: «يا للجمال! يستطيع أن يكون راضيا.»
ومشت ليانا على رأس الموكب ومن خلفها عدد من الشيوخ، ومن بينهم ناظر أملاك الكنيسة الذي سأله أحد الشيوخ قائلا: هل ترك ثروة كبيرة؟ فأجابه الناظر: مليونا. - كم؟ ... مليونا؟! - مليون! أي عشرة من مئات الآلاف! - مسكين أيها الحاج! - لو أنه رأى كل ما أنفق على جنازته!
فقال أحد الشيوخ: «لمات.»
واخترقت العربة وهي تهز جلاجلها الفضية فناء الكنيسة، بينما كانت أصوات خافتة تترنم بصلاة الموتى: «فلتخلد ذكراه ... فلتخلد ذكراه.»
| تيودور أرغيزي (1880)
يعتبر تيودور أرغيزي أكبر شاعر روماني بعد إيمينسكو، وقد دفعه القلق الأصيل في طبيعته وسط ظروف المجتمع الروماني في سنة 1900 إلى أن يحيا حياة متنوعة متناقضة خصبة التجارب، فعمل تباعا راهبا وصحفيا وحرفيا في رومانيا، أو في سويسرا حيث أقام زمنا طويلا.
وقد كرس أرغيزي جهده - في حماسة حارة لا تخبو - للشعر، كلما فرغ من تحرير تحقيقاته الصحفية الهادرة ضد مظالم وفساد الحكم البرجوازي، ومجموعة أشعاره الأولى «أقوال متجانسة» سنة 1927، تبعتها مجموعات أخرى مثل: «أزهار العفونة»، و«أشعار المساء»، و«سبع أغان»، و«الفم المغلق»، و«الأعشاب السيئة» ... إلخ.
وأخيرا الحلقتان الكبيرتان: «أغنية الإنسان» التي يحدد فيها أرغيزي وضعه التقدمي في معركة ازدهار المجتمع الاشتراكي، و«حلقة 1907» التي يرسم فيها صورة درامية لثورات الفلاحين سنة 1907، ويهاجم في عنف القمع الدموي الذي قوبلت به من الطبقات المسيطرة، ولنذكر من بين مؤلفاته النثرية: «أيقونات من الخشب»، و«الباب الأسود»، و«لوحات من مقاطعة كوتي»، و«كتاب اللعب» الذي يضم: «صور جديدة» و«ميداليات»، ثم روايات «عيون العذراء»، و«جبانة البشرى»، و«لينا.»
وفي الشعر والنثر على السواء قلب أرغيزي التعبير الأدبي رأسا على عقب بأنه أضفى عليه المعاني الجديدة النابعة من عبقريته الغنائية والساخرة، تشبيهاته الخام غير المسبوقة، ووضع كل ذلك في خدمة نزعة إنسانية مكافحة محبة للبشر والطبيعة والزهور والحيوانات.
وإلى جوار ميخائيل سادوفيانو - الذي توفي أخيرا - لا يزال الأكاديمي تيودور أرغيزي الدائم النشاط، الكاتب الكلاسيكي الكبير في الأدب الروماني رغم تجاوزه الثمانين من عمره. (1) ميلا
كنت أدير مكتبة في مصيف تائه وسط البحيرات، وهناك كنت أقضي إجازات الدراسة حيث أعيد بيع الكتب التي أكون قد اشتريتها أثناء العام مضافا إليها عدد آخر أحصل عليه بالتخفيض، وكان كل ما أملك من الكتب لا يعدو ملء أربعة صناديق، وكانت مرصوصة على رفين يضفي عليهما شيئا من الحيوية تمثال من الخزف، وفي هذا العام كنت قد اشتريت أيضا نسرا رماديا ووعلا.