وفي نشاط ومهارة - كما اعتاد - ملأ العربة بالشوفان، وشد فوقها الغطاء، وربط فيها المهار، وألقى بمعطف فوق كتفيه، وتناول سوطه، وها هو يرحل يا أطفال، فلم يكد الأستاذ ستيرول يصل بيته حتى كان الأب نيكيفور قد وصل بعربته.
وخرجت من البيت ملكة زوجة ابنه لكي ترى حوذيها على نحو ما يجري العرف في الريف، كانت ملكة مولودة في بياتزا، وها هما خداها متوردان، ربما لشدة ما بكت لفراق حمويها! وكانت تلك أول زيارة لها لنياموتزو، أو كما يقولون باكورة زيارتها لحمويها، ولم تكن قد تزوجت إستيك ابن الأستاذ ستيرول إلا منذ أسبوعين، أو على الأصح لم يكن إستيك قد تزوج ملكة؛ لأنه هو الذي ترك بيت أسرته كما تجري العادة، وبعد أسبوعين اصطحب ملكة إلى بياتزا لمزاولة أعماله. - أرى أنك قد حافظت على كلمتك يا أب نيكيفور.
باستطاعتك يا أستاذ ستيرول أن تثق دائما بكلمتي، ثم إنني لا أعرف شيئا في المصابيح، وأفضل أن أبدأ رحلتي في الصباح الباكر؛ لكي أصل قبل هبوط الليل.
هل ستصل بياتزا عند المساء يا أب نيكيفور؟
ما هذا يا أستاذ ستيرول، إنني أرجو أن أصل بفضل الله بعد الغداء مباشرة!
إن ثقتي فيك كاملة يا أب نيكيفور، وأنت أكثر مني دراية وخبرة بهذه الأمور، ولكني مع ذلك أرجوك أن تقود بعناية حتى لا تقلب زوجة ابني!
آه يا أستاذ ستيرول! لقد زاولت هذه المهنة لزمن مديد، وكم نقلت من سيدات وراهبات وبنات أشراف وعلية القوم، وبفضل الله لم يشك في أحد، وذلك فيما عدا الأخت إيفلامبيا بوابة دير فاراتيك، التي كانت لي معها بعض المضايقات بسبب ما اعتادته من ربط بقرتها في مؤخرة العربة أينما ذهبت؛ وذلك لكي تحصل دائما على اللبن مجانا!
وكان في هذا ما يزعجني؛ لأن البقرة هي البقرة دائما، وكانت تلتهم الشوفان من عربتي، بل لقد كسرت سلم العربة ذات يوم، كما أنها في المرتفعات كانت تختلف فتشد الوثاق، حتى كادت أن تخنق مهاري ذات مرة، وبالجملة «طهقت» منها، وتجرأت على أن أقول لها: لماذا أيتها الأخت كل هذا الشح بدراهم معدودات، مع أنك لست بخيلة فيما يتعلق بالإنفاق الكبير؟ رنت إلي عندئذ برقة لتقول في صوت هامس: اسكت أيها الأب نيكيفور! اسكت! لا تغضب من هذه البقرة المسكينة التي لا ذنب لها، فآباء جبل أنتوس المقدس هم الذين أملوا علي - كقاعدة - ألا أشرب إلا من لبن نفس البقرة لكي أظل شابة زمنا طويلا، ولا حيلة لي في ذلك، فلا بد من طاعتهم في كل شيء؛ وذلك لأن فخامتهم يعرفون أكثر مما نعرف نحن الخاطئات، وعندما علمت ذلك أحسست أن الأخت على شيء من الحق وتركتها وشأنها، وعلى أية حال فإنها لم تكن تخلو من العته؛ وذلك لأنها لم تكن تريد أن تشرب إلا من نبع واحد، وأما أنت يا أستاذ ستيرول، فأظن أنك تلصق بي بقرة أثناء الرحلة! وأما عن السيدة الصغيرة، فأنا متأكد أنها ستنزل عندما نصل إلى مرتفع أو منخفض حاد، وبخاصة أن المناظر جميلة الآن في الريف على نحو مذهل، ولكن كفى ثرثرة! هيا اصعدي يا سيدتي فسأحملك إلى زوجك العزيز! آه ... هؤلاء السيدات الشابات ... إنني أعرفهن جيدا! فعندما يبعد عنهن الزوج لا يقر لهن قرار، ولا يفكرن إلا في العودة السريعة إلى البيت على نحو ما يعدو الحصان إلى الحظيرة.
هيا يا أب نيكيفور! فأنا أصعد إلى العربة، ثم أخذ الجميع يحملون في سرعة الأغطية والوسائد الوثيرة وسلة مليئة بالمأكولات وأمتعة أخرى صغيرة، وأخيرا ودعت ملكة حمويها، ثم تربعت على الأغطية في قلب العربة! وقفز الأب نيكيفور إلى مقعده، وقرقع بالسوط بينما الأستاذ ستيرول وذووه على عتبة الباب ينظرون إليه، وهم يسيرون ووجوههم مبللة بالدموع.
وأثناء عبور المدينة كان الحوذي يعدو عدوا جهنميا، وكأن لمهاره أجنحة.
وفي غمضة عين عبروا الوادي والقرية وتل هيموجستي، كما قطعوا المسافة بين أوشيا وجرومانزستي قفزا. - آه! يا إلهي ... انظري يا سيدتي الصغيرة إلى هذه القرية الجميلة، إنها جرومانزيستي