كان الأب نيكيفور حوذيا بمهنته، وبالرغم من أنه لم يكن يملك كأسواط غير حبال من الزيزفون، فإن عربته كانت متينة ومريحة وواسعة، والمظلة الكبيرة التي تغطيها تمنع المطر والشمس من دخولها، وصندوق الزيت وعدة التشحيم والكوريك، وكانت كلها معلقة في السهم.
وأثناء السير كان يحتك بعضها ببعض، فتحدث الصوت: كراك كراك كراك! وفي الحلقة الحديدية المدلاة من الدرابزين - في أسفل ناحية اليسار - كانت بلطة صغيرة معلقة معدة للاستعمال عند الحاجة، وكانت هناك مهرتان بيضاوان كالثلج وملتهبتان كالجمر، تحملان النير دائما تقريبا، وأقول تقريبا لأن الأب نيكيفور كان تاجر مواش أحيانا، وعندما يلوح له الربح، لم يكن يتردد في أن يبيع أو أن يقايض على إحدى هاتين المهرتين؛ حتى ولو كان في طريق السفر، وكان النير يظل أحيانا معلقا في الفضاء.
وكان هذا العجوز يحب دائما المهار الصغيرة الجميلة، وكان هذا موضع ضعفه، ولقد تسألونني: ولماذا يفضل المهار دائما والمهار البيضاء؟ وسأقول لكم السبب: فهو يفضلها لكي تنجب له، وهو يفضل البيضاء؛ لأنها - كما يقول - تغنيه عن مصباح الليل!
ولا نعتقد أن نيكيفور كان يجهل المثل السائر الذي يقول: إنه من الأفضل دائما ألا تكون حوذيا لخيول بيضاء ولا خادما عند امرأة، فهو يعرفه جيدا، ولكن المهار كانت له، وإذا اعتنى بها فحسنا يفعل، وإذا لم يعتن فمن الذي سيؤنبه على ذلك!
والأب نيكيفور لم يكن ليقبل قط أن يعمل حوذيا على عربة نقل، وكان يتجنب حمل الأشياء الثقيلة خوفا من أن يصاب بقيلة في خصيته! وكان يقول: إن العمل على عربة ركوب أفضل بكثير؛ لأن الإنسان يتعامل عندئذ مع البضائع الحية التي تنزل عندما يصعد الطريق أو ينزل، ثم عند الوقوف إلى أن يصبح الإنسان: إلى العربة سيداتي وسادتي!
وكان الأب نيكيفور قد جدل بيديه سوطا من الكتان ذا طرف من الحرير، وكان يفرقع به فرقعة تصم الآذان، وفي كل مرة تسير العربة في طريق صاعد، كان ينزل من مقعده ليجر العربة مع مهاره، سواء أكانت تلك العربة محملة أم لا، وعندما ينحدر الطريق كان يفعل نفس الشيء حتى لا يضني خيله العزيزة، وكان على زبائنه - أرادوا أم لم يريدوا - أن يترجلوا هم أيضا، وإلا لما كف الأب نيكيفور عن الزمجرة وإرسال العبارات اللاذعة من مثل قوله: هلا نزلتم قليلا أيها السادة، فالحصان حيوان لا يعرف الكلام!
وأما إذا عرف الإنسان كيف يستأنسه بتقديم كأس صغيرة، فعندئذ لا يكون هناك من هو ألطف من الأب نيكيفور، وعندما كان يلتقي برجل يركب حصانا كان يصيح به: ما هذا أيها الغضنفر، لقد سبقتني وتركتني خلفك.
أليس كذلك أيها السيد؟ ثم يطلق سوطه في مهارة، وهو يغني:
أيتها البيضاء إلى الخلف
أيتها البيضاء إلى الأمام
النير يتدلى من ناحية
هوب! مهرتي تعدو كثمانية
لأن جالتزي على بعد خطوتين.
وإذا التقى في الطريق بنساء أو آنسات، أخذ يغني أغنيات فكهة توافق مزاجه، مثل:
عندما تزوجت من عجوزتي
بكت ثمان عاشقات
ثلاث ذات أزواج
وخمس من بنات بلدي.
آه! كيف لا يشوقنا السفر، وبخاصة في شهر مايو مع مثل هذا الرفيق اللطيف الذي لا تعوزه النكتة الفكهة، ولكن أحيانا عندما يمر أمام فندق، فيتظاهر صاحبه بعدم رؤيته له، فلا يقدم له شيئا من شراب، تراه يزمجر، ولكنه مع ذلك يحث الخطى نحو الفندق التالي.
وفي فترة ما اشترى الأب نيكيفور مهرتين تعدوان عدوا عجيبا، ولم يكن فيهما غير عيب واحد، وهو توقفهما - مهما يكن من أمر - عند كل ملهى؛ وذلك لأنه كان قد اشتراهما من قسيس!
فلم تكن هناك عندئذ مطافئ تستطيع أن تبيعه مهارا أخرى قادرة على أن تعدو دون توقف.
ويؤكد والدي أنه سمع من العجائز نقلا عن الأب نيكيفور نفسه أن مهنة العربجي في ترجوي نيامتزولي كانت قديما مهنة طبية، إذ كان لديه من الزبائن أكثر مما يلزمه، ولم يكن يكاد يغادر فراتيك حتى يصل إلى أجابيا، ولا يبرح أجابيا حتى يدخل سريعا إلى فراتيك، ومنها يعدو إلى رازبوييني حيث الأديرة المليئة بالرهبان، وحيث الزبائن الذين لا يعرف ماذا يفعل بهم، وكان عليه أن ينقلهم حينا إلى بياترا، وحينا آخر إلى بولتيشيني، ثم إلى الأسواق وإلى جميع الأديرة، مثل: دير نيامتزو ودير سيكو، ثم إلى ابتيسكا فضلا عن أعياد القديسين.