تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واخترته لماله

ما كان إلا مفلسا

وقعت في حباله

يرحمه الله لقد عشنا معا

من السنين الصاحبات أربعا

ثم مضى لربه لا رجعا

رحمة الله عليه

جن بالنسل جنونا

ثم لما مات ما خل

ف لي إلا ديونا

ومات لم تبكه عيوني

وكان عمري عشرين عاما

ثم تزوجت من سواه

من ذا يرى فعلتي حراما؟

زينب :

أجل، تعيشين وتدفنينا

حتى تصيبي منهم البنينا

الست هدى :

وزوجي الثالث عمدة البلد

لقد بنى بي وهو يطلب الولد

وغير أطياني هناك ما قصد

يرحمه الله وإن

نغص يوما عيشتي

ما جن بي وإنما

جن بأبعاديتي

رحمة الله عليه!

مات لم يترك تراثا

خلف المرحوم عش

رين ذكورا وإناثا

ومات لم أكتئب عليه!

وكان عمري عشرين عاما

ثم تزوجت بعد عام

من ذا يرى فعلتي حراما؟

زينب :

أجل، تعيشين وتدفنينا

حتى تصيبي منهم البنينا

الست هدى :

ولست أنسى زوجي الرابعا

لا نافعا كان، ولا شافعا

قالوا: أديب لم يروا مثله،

ولقبوه الكاتب البارعا

قد زينوه لي، فاخترته

ما اخترت إلا عاطلا ضائعا

رائح أكثر الزما

ن على الصحف مغتدي

يكتب اليوم في «اللوا»

وغدا في «المؤيد»

ليله أو نهاره

فارغ الجيب واليد

ويعجبني عند المباهاة قوله:

بنيت فلانا، أو هدمت فلانا

وقد يصبح المبني أوضع منزلا

وقد يصبح المهدوم أرفع شانا

رحمة الله عليه!

كان لا يحقر مالا

كان إن أفلس لا

يسألني إلا ريالا

ثم تزوجت بيوزباشي قمر

نهى كما شاء هواه وأمر

لقد وددت أنه زوج العمر

عشنا ثلاثا ثم افترقنا

وكان عمري عشرين عاما

طلقني، فالتمست زوجا

من ذا يرى فعلتي حراما؟

زينب :

أجل، تعيشين وتدفنينا

حتى تصيبي منهم البنينا

الست هدى :

وعشت عامين دون زوج

ثم تزوجت بالموظف

لم أنسه منذ مات يوما

ما كان أبهى! وكان أظرف!

كان خفيفا، وكان حلوا

ومن نسيم الربيع ألطف

ما كنت أدري إذا تولى

أجيبه أم قفاه أنظف

يرحمه الله مات ما وجدوا

في جيبه غير قطعتي ذهب

وسبحة من خزانتي سرقت

كانت على الرف من وفاة أبي

ثم اقترنت بفقيه

عالم في البلد

كهل أخو خمسين لكن

في نشاط الأمرد

زينب :

عرفته ذاك الفقي

ه الشيخ عبد الصمد

قد كان في الخط وجي

ها ومقبل اليد

وكل من مر به

خاطبه بسيدي

الست هدى :

يرحمه الله! لقد أدبني

حتى عرفت كيف تخضع النسا

زينب :

أنت؟ ... ... ...

الست : ... أجل، أدبني بيده

ورجله وبالعصا ... ...

زينب : ... ... كيف؟ متى؟

الست :

رأى غبارا عالقا بجبهتي

ولم أكن أعلم من أين أتى

فقال: هذا الترب من نافذة

من كنت تنظرين منها يا ترى؟

وهاج حتى خفت أن يقتلني

وشمر الذيل وجرد العصا

فقلت: يهواني، وتلك غيرة

يا حبذا الزوج الغيور حبذا!

وقبله لم أر من غار ولا

من ظن في قلبي لغيره هوى

لكنه منذ كنا

ما حل عقدة كيسه

يفضل الأكل من غ

ير ماله وفلوسه

عشت مع الشيخ نصف عام

وكان عمري عشرين عاما

ومات! فاختارني سواه

من ذا يرى فعلتي حراما

زينب :

أجل، تعيشين وتدفنينا

حتى تصيبي منهم البنينا

الست :

أتذكرين بعده

من جاء بيتي يخطب؟

زينب :

من ذاك؟ من؟ ... ...

الست : ... ... ... أنت التي

جئت به يا زينب!

زينب :

مهدي المقاول الثري؟

الممتلي من الذهب

الست :

قد ذهب الله به

أجل إلى النار ذهب

لم ينس أن يذكر أبعاديتي

ما للغبي ولطيني! ما له!

ولم يكن عند الطعام يستحي

يأكل مالي ويعد ماله

عشت اثنتين معه

لم أنتفع بفرشه

لو لم يمت لمت من

تنفيسه وفشه

ظللت عامين في بلاء

وكان عمري عشرين عاما

ومات مهدي فاعتضت عنه

من ذا يرى فعلتي حراما؟

زينب :

أجل، تعيشين وتدفنينا

حتى تصيبي منهم البنينا

الست :

ثم اقترنت بمحام عاطل

شريب خمر يحتسيها في الضحى

قلت دعاويه، وقل ماله،

وأصبح المكتب منه قد خلا

عبد المنعم (المحامي زوج الست هدى وهو سكران يصعد السلم) :

هدى! ضلال! أين أنت يا هدى؟

أين العجوز؟ أين جدتي هدى؟

وبعد هذا السجل الحافل، الذي كان يعتبر عرضه المشكلة الأساسية أمام المؤلف، تنطلق أحداث الملهاة، ويجري الحوار فيها بهذا الشعر السلس الخفيف، الذي لا يسف إلى حد الابتذال ، ولا يرتفع إلى حد الجفاف الذي يجرده من العصير الشعبي، حتى تنتهي الملهاة إلى خاتمتها المضحكة، ضحكا يثير الأسى على نحو يخيل إلينا معه أن هذه الملهاة تعتبر من خير ما كتب شوقي من مسرحيات. •••

محاضرات عن مسرحيات شوقي: حياته وشعره · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن مسرحيات شوقي: حياته وشعرهص ٣١