تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأجهشت للتوباد حين رأيته

وكبر للرحمن حين رآني

وأذرفت دمع العين لما رأيته

ونادى بأعلى صوته فدعاني

وغير ذلك كثير مما كنا نستطيع قبوله باعتبار أن شوقي يعرض قصة شاعر كبير، عبر هو نفسه عن أحاسيسه تعبيرا رائعا أحيانا كثيرة، وأما أن تستبد تفاصيل الأخبار القديمة بشوقي، وتسيطر عليه سيطرة مطلقة في تصوير شخصياته، وتحليل دوافعها وخفايا نفوسها على نحو ما فعل في «مجنون ليلى»، فذلك ما لا نستطيع أن نقره؛ إذ إنه قد قيد خيال الشاعر، وحرمنا من أن نظفر منه بتحليل إنساني عميق لشخصياته، وتصوير قوي للمشاعر الإنسانية التي تصطرع في حناياها فتثير نفوسنا، بحكم المشاركة الوجدانية التي لن نمل القول بأنها الشرط الأساسي لنجاح الفن المسرحي.

ولقد أدى تقيد شوقي بما اختار من تفاصيل قصة المجنون القديمة إلى ملء مسرحيته بالكثير من الخرافات القديمة التي قد يظن أن شوقي قد التجأ إليها جريا وراء ما يسميه الرومانسيون «باللون المحلي»، ولكنها في الواقع لا تدخل في هذا اللون الذي ظل - ويجب أن يظل - مقصورا على بعض المظاهر والعادات الخارجية، ولا يمكن أن يمتد إلى الحقائق النفسية التي يجب أن تظل خاضعة للعنصر الإنساني العام الذي يستطيع وحده أن يكون تلك المشاركة الوجدانية المطلوبة.

تقيد شوقي إذن باختيار تفاصيل تلك القصة وصياغتها شعرا غنائيا يبلغ الذروة أحيانا كثيرة، ولكنه لا يستطيع أن يخفي ضعف عنصر «الدراما» في كثير من مواقف المسرحية، وبخاصة في موقفها الأساسي، وهو الصراع الذي كنا نتوقع من المؤلف أن يركز عليه اهتمامه، وهو الصراع الداخلي الذي كان من الطبيعي أن يثور في نفس ليلى بين حبها لقيس وخضوعها لتقاليد العرب، التي تأبى على الفتاة أن تتزوج بمن تغزل بها في شعره، وفضح حبه لها، ففي سهولة عجيبة يفوض المهدي والد ليلى لها الأمر لتختار زوجها، وفي سهولة عجيبة تختار ليلى وردا الثقفي وتفضله على قيس، وكل ما نلمسه منها هو مجرد ندم على هذا الاختيار، بل إننا لنلمح تناقضا واضطرابا في تصوير التقاليد العربية التي جعل لها شوقي كل هذا السلطان، ولا أدل على ذلك من أن نرى وردا زوج ليلى يمهد لغريمه بعد الزواج فرصة الاختلاء بزوجته، والتحدث إليها في بيته، فهذا ما لا نظن أن التقاليد العربية - بل ولا المشاعر الإنسانية - يمكن أن تجيزه، وأكبر الظن أنه من ابتكار شوقي.

وإذا كان شوقي قد تقيد إلى هذا الحد بأسطورة المجنون القديمة، فشلت خياله وثلمت بصيرته، فهل تراه قد تحلل من مثل تلك السيطرة في الأسطورة الأخرى، التي اختارها موضوعا لمسرحية «عنترة»؟ أو تخير من تفاصيل هذه الأسطورة التاريخية ما يماشي فن الدراما، وما يمكن من تصوير شخصيات إنسانية، نستطيع أن نشاركها حياتها مشاركة وجدانية عميقة؟

هذا ما سوف نراه.

| عنترة

وهذه مسرحية عربية أخرى، أغرى شوقي موضوعها الذي أصبح من الأساطير الشعبية، التي نسج حولها الخيال الشعبي الكثير من أعمال البطولة والفتك، فضلا عن الغرام، والصراع العنيف بين قيمة الفرد الشخصية ووضعه الاجتماعي، فعنترة ابن زبيبة الحبشية فارس عربي شجاع، ولكن سواد جلده، وانحداره من أمة حبشية يغمطه فضل هذه الشجاعة، ولا يجعله أهلا لعبلة بنت مالك السيد العربي، والحائل بين عبلة وعنترة في هذه القصة أعنف وأشد تأصلا في نفوس العرب من الحائل بين قيس وليلى، فقيس عربي سليم النسب كفء لليلى، ولا يحول بينه وبينها شيء غير تشبيبه بها، أما عنترة فعبد وابن أمة، ومن المعلوم إلى أي حد كان عرب الجاهلية يتمسكون بالأنساب ويستميتون في سبيلها، وكل هذه الحقائق توضح الفارق الكبير الذي يميز عناصر «الدراما» في قصة مجنون ليلى عنها في قصة عنترة وعبلة.

ولقد أغرت قصة عنترة خيال الشعراء والأدباء، وبخاصة بعد أن نماها الخيال الشعبي، وضرب بها في مختلف الآفاق، وإذا كانت هذه الدراسة السريعة لا تتسع لتقصي جميع ما كتبه الأدباء والشعراء من قصص ومسرحيات حول عنترة وعبلة، فلا أقل من أن نشير إلى أن هذا الموضوع قد عالجه في سنة 1910 أديب لبناني، هو شكري غانم، الذي كتب باللغة الفرنسية مسرحية عن عنترة مثلت في «مسارح باريس ذاتها»، وأكبر الظن أنه إذا لم يكن شوقي قد شاهدها أو قرأها فقد سمع بها على الأقل، وربما كانت من الأسباب التي لفتت نظره إلى هذا الموضوع، وأما قصة الأستاذ فريد أبو حديد التي نشرها في سلسلة «اقرأ» عن عنترة فلاحقة لمسرحية شوقي.

محاضرات عن مسرحيات شوقي: حياته وشعره · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن مسرحيات شوقي: حياته وشعرهص ٢٧