وهاتان الخاصيتان تدلان بوضوح، على طبيعة العقلية العربية والملكات المسيطرة فيها؛ فالعربي القديم قضت حياته بأن يعتمد على النغمة الخطابية في شعره؛ كي يستثير مشاعر قبيلته، ويستنفرها للغزو أو رد الاعتداء، وكان الشعر هو لغة خطابتهم، وهو رجل شحذت حياته في المهامه والقفار في نفسه ملكة الملاحظة الدقيقة لما حوله، من إنسان وحيوان وجماد، ولم تلهب خياله جبال شاهقة ولا غابات، بل ظل بصره ينقب في جزئيات الصحراء المنبسطة أمامه، ومن المعلوم أن الأدب التمثيلي يتطلب خيالا واسعا، يخلق الأحداث والشخصيات، ويتصور المواقف وما توحي به من حوار.
ومن الغريب أن العرب قد عرفوا الأوثان وتعدد الآلهة، بل وعرفوا الجن وعوالمه، ومع ذلك لم تنم عندهم الأساطير على نحو ما نمت عند اليونان مثلا، بل وعند المصريين القدماء إلى حد بعيد، في أسطورة إيزيس وأوزوريس وغيرها، مما يدعونا إلى أن نسلم بأن الناقد الكبير هيبوليت تين، لم يكن مخطئا كل الخطأ عندما جعل الجنس والبيئة من العوامل الأساسية في تمييز أدب أمة عن غيرها، ومن الممكن تدعيم هذه الحقيقة أيضا، بما نلاحظه من أن العرب قد كانت لهم أيام وحروب وغزوات، بين القبائل المختلفة، ومع ذلك لم ينشأ عندهم شعر الملاحم على نحو ما نجده في «الإلياذة والأودسا» عند اليونان، أو «الأنيادة» عند الرومان، بل وأحيانا في بعض الآداب الأوربية الحديثة، مثل ملحمة «رولان»، أو «الفرنسياد» عند الفرنسيين.
ومن العجب أن لا تخلق الحروب الصليبية عند العرب هذا الفن، كما خلقته عند الفرنسيين أو غيرهم من الغربيين، مع أن في بطولة صلاح الدين ما يبذ بروعته بطولة رولان وغيره، وإن يكن الشعب قد تدارك ما فات فصحاء الأدب، فألف في العصور المتأخرة ملاحمه الشعبية، عن عنترة وأبي زيد الهلالي وغيرهما.
وإذا كانت طبيعة الشعر العربي القديم وخصائص العقلية العربية، لم تساعدا على اختراع الأدب التمثيلي الذي يعتمد على الخيال والتشخيص وتحليل النفس البشرية، أو معالجة الصراع بين الإنسان والآلهة، أو بينه وبين قوى الطبيعة المحيطة به، أو بينه وبين القضاء والقدر، أو الزمن أو الجبر الكوني، أو بينه وبين المجتمع وضروراته وتقاليده، وأخيرا بينه وبين نفسه، إذا كان هذا هو الوضع الأصيل عند العرب، فإن الباحثين يتساءلون: لماذا لم يأخذ العرب الأدب التمثيلي عن اليونان، على نحو ما أخذوا مبادئ العلوم والفلسفة والمنطق في العصر العباسي، عندما نشأت الترجمة ، وتوثقت الصلة بين العرب والثقافات الأجنبية؟ وذلك باعتبار أن المحاكاة مدرسة حقيقية للأصالة، وقد كان من الممكن أن يلقح العرب الأدب التمثيلي بعقليتهم الشرقية الخاصة، على نحو ما لقحوا الفلسفة اليونانية.
ولقد تناول الأستاذ توفيق الحكيم هذه المشكلة في مقدمة مسرحيته عن الملك أوديب، فعالجها علاجا عاما، إلا أنه قد تضمن الكثير من الحقائق الأساسية، كما تناولها كثيرون غيره في مصر ولبنان وغيرهما من البلاد العربية.
ولا شك أن الأدب التمثيلي عند اليونان، كان وثيق الصلة بديانتهم الوثنية؛ ففي أحضان تلك الديانة نشأ، ولتشخيصها وتجسيمها وعرض مبادئها وفلسفتها وضعت أولى مسرحياته، ومن المعلوم أن هذا النوع من الأدب قد نشأ من عبادة ديونيزوس؛ أي باكوس إله الكرم والخمر، وذلك على عكس العلوم والفلسفة التي هي ملك شائع بين البشر، تستطيع أن تتمثلها كافة العقول، ولا ترتبط بأوضاع دينية أو اجتماعية خاصة، فلا تعارض بينها وبين الإسلام، بل بالعكس استخدمت في تأييد الإسلام، والمحاجة دونه بالتفكير المنطقي، والحجج والأدلة العقلية عند علماء الكلام وفقهاء الشرع، وبخاصة أورجانون أرسطو الذي طغى على التفكير العربي.
ومع ذلك فلدينا الآن الترجمة العربية القديمة لكتابي الريتوريقا؛ أي الخطابة أو البلاغة، والبويتيقا؛ أي الشعر لأرسطو، ولكنه إذا كان من الراجح أن الكتاب الأول، قد أثر تأثيرا كبيرا في وضع أسس النحو والبلاغة العربية، فإن الكتاب الثاني لم يحدث أثرا في توجه العرب نحو أدب الملاحم والأدب التمثيلي، اللذين لم يعرفهما العرب الأولون، ومن الثابت أن أعلام الفلسفة العربية أنفسهم؛ مثل: الفارابي وابن سينا وابن رشد، فضلا عن عامة العرب، لم يفهموا حديث أرسطو عن هذين الفنين، كما يتضح من شروحهم وتعليقاتهم على كتاب الشعر، وقد نشرها حديثا الدكتور عبد الرحمن بدوي، مع ترجمة جديدة لهذا الكتاب والترجمة العربية القديمة، وفيها نلاحظ كيف أن المترجمين قد أوقعوا بعض هؤلاء المفكرين الكبار في الخطأ، وترجموا التراجيديا بالمدح، والكوميديا بالهجاء، قياسا على ما كان يعرفه العرب عن هذين الفنين الشعريين، كما أنه من الثابت أيضا، أننا لم نعثر على أية ترجمة أو تلخيص أو تحليل لأية تراجيديا أو كوميديا يونانية قديمة.