وهكذا نستطيع أن نسجل أن فن الملاحم انتقل بعد العصر القديم من الأدب الفني إلى الأدب الشعبي، ثم انتهى به الأمر إلى الاختفاء فلم تعد الإنسانية تبتكر ملاحم جديدة، وإن ظلت تطرب للملاحم القديمة فنية كانت أم شعبية؛ بحيث يتضح لنا أن محاولة بعض شعرائنا المحدثين كتابة ملاحم إنما هو ضرب من المجازفة التي تتنافى مع حقائق الأدب المعاصر، بل حقائق النفس الإنسانية. وما نظن أن أحدا منهم يستطيع أن يهيئ في نفسه تلك الطفولة الغضة والسذاجة الساحرة التي يكمن فيها جمال الملاحم القديمة.
هذا، والملاحظ أن الملاحم كانت تتناول معارك وبطولة الماضي السحيق الذي جعل منه الخيال الشعبي والرواية الشفوية ما يشبه الأساطير وخوارق الأمور. والعالم اليوم لم يعد يخترع أساطير، كما أن اختراع الكتابة وتدوين التاريخ لم يعودا يسمحان بتحويل أحداث الماضي إلى خوارق وأساطير، ومن باب أولى أحداث الحاضر؛ بحيث يستطيع أحد شعرائنا المعاصرين أن ينظم قصيدة قصصية أو حماسية طويلة عن حرب فلسطين مثلا دون أن نستطيع إدخالها في فن الملاحم الذي تميز بخصائصه المحددة التي لم يعد يجهلها أحد من عامة الأدباء والدارسين في الغرب.
هذا، وقد ترجم سليمان البستاني إلياذة هوميروس شعرا، وكتب لها مقدمة ضخمة عن الشعر ونشأته وفنونه وأوزانه، لكننا نلاحظ أن هذه المقدمة هي التي تقرأ اليوم أكثر مما تقرأ الترجمة؛ وذلك لجهامة الأسلوب الذي استخدمه، وبعده عن سحر الأصل اليوناني وسذاجته.
كما ترجمت هي وغيرها من الملاحم القديمة إلى اللغات الأوروبية الحية جميعها، ومن بين تلك التراجم النثرية والشعرية ما يقارب الأصل في جماله، لكنه لا يلحق به، ومع ذلك فباستطاعة القارئ لترجمة إنجليزية أو فرنسية، فضلا عن الأصل اليوناني؛ أن يتبين عناصر السحر في تلك الملاحم، وملامح تلك السذاجة الغضة التي تتفتح لها النفس، بل باستطاعتنا أن نحيل السامع لحسن الحظ إلى عدة ترجمات ودراسات ظهرت حديثا في لغتنا العربية عن الملاحم القديمة، مثل: الترجمة الدقيقة التي نشرها الأستاذ أمين سلامة للإلياذة في مطبوعات «كتابي»، ومثل ترجمة ودراسات أديبنا الكبير الأستاذ دريني خشبة لأشعار هوميروس، وأساطير اليونان الأقدمين، ومثل التراجم التي صدرت لبعض ملاحم الشرق مثل: ترجمة أستاذنا المرحوم عبد الوهاب عزام لشاهنامة الفردوسي، والمحاولات التي بذلت لترجمة المهباراتة.
ولا أدل على السذاجة الساحرة لتلك الملاحم من أن نرى هوميروس مثلا لا يحاول أن يستقصي وصفا، أو يحلل نفسا بشرية أو موقفا إنسانيا، بل يقذف تلقائيا بصفة أو يلون صورا عابرة، ومع ذلك يوحي بأسمى خصائص الجمال وأقوى عناصر التأثير. فهو مثلا يتحدث عن هيلانة مثال الجمال الأعلى التي كانت السبب في نشوب الحرب بين طروادة وبلاد اليونان، كما يتحدث عن أندروماك زوجة هيكتور التي سبت الرجال بجمالها، ومع ذلك لا يصف جمال هيلانة إلا بصفة واحدة يلصقها باسمها، وتتكرر الصفة نفسها مع الاسم كلما جرى في شعره، وهذه الصفة هي «عمق الحزام» فاسم هيلانة لا يرد إلا مردفا بقوله «ذات الحزام العميق» وأندروماك لا يرد اسمها إلا مردفا بصفة لا تتغير وهي «ذات الذراع البيضاء» وأما ما دون ذلك من مواضع الفتنة والجمال عن هيلانة أو أندروماك فذلك ما لا يشير إليه هوميروس مكتفيا بتكرار اسميهما مردفا بكل منهما الصفة الخاصة به؛ بحيث يولد فينا هذا التكرار إحساسا عميقا بالجمال، ويطلق هذا الإحساس العنان للخيال لتصور ما شاء من مواضع الفتنة والجمال.
وأما عن فن هوميروس الخاطف في تصوير الحالات النفسية المعقدة بواسطة صور حية خاطفة دون تمهل عند التحليل النفسي أو الأخلاقي المعقد، فلسنا نجد له مثلا خيرا من موقف إنساني شعري رائع، صوره هوميروس في الأغنية السادسة من الإلياذة؛ حيث قص قصة وداع هيكتور بطل طروادة وزوجته الجميلة المحبوبة أندروماك ذات الذراع البيضاء قبل انطلاقه إلى المعركة التي لقي فيها حتفه، ولم تكن أندروماك تجهل خطورة تلك المعركة التي كان زوجها سيلقى فيها أخيل بطل اليونان «أخيل ذا القدم الخفيفة» وتشفق عليه من الموت الذي يتهدده، ومع ذلك لا تريد أن تنال من شجاعته ومن ثقته بنفسه بإظهار الجزع؛ فهي تتجلد، لكن الجلد يخونها عندما يتناول هيكتور من بين ذراعيها ابنهما الصغير لكي يقبله ثم يرده لأمه، في هذه اللحظة الحاسمة تظهر قدرة هوميروس الخارقة رغم بساطتها وانحصارها في صورة حسية خاطفة لقطتها ريشته، فجمعت فيها العواطف والانفعالات التي كانت تصطرع في نفس أندروماك في تلك اللحظة، وهذه الصورة هي قوله: «ورد إليها هيكتور الطفل فتلقته بابتسامة تبللها الدموع.»