تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان موضع العناية ومحل القصد من الإمارة في نظر أولئك الخلفاء ومن حذا حذوهم كعمر بن عبد العزيز هو خدمة الدين الذي هو خادم للعدالة التي هي خادمة لصلاح العالم، قال الشيخ قبادو التونسي:

وما الجاه إلا خادم الملك لائذا

وما الملك إلا خادم الشرع حزمه

وما الشرع إلا خادم الحق مرشدا

وبالحق قام الكون وانزاح ظلمه

ولما انطوت أحشاؤهم على هذا المقصد الجميل، أطلقوا سراح الرعية في أمرهم بالمعروف وإحضارهم النصيحة، مثل ما سبق في خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكقول عمر بن الخطاب: «أعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف، وإحضاري النصيحة، وأعينوني على أنفسكم بالطاعة.» وكانوا يوسعون صدورهم للمقالات التي توجه إليهم على وجه النصيحة والتعريض بخطأ الاجتهاد، وإن كانت حادة اللهجة قارصة العبارة.

عزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد رضي الله عنهما، وكان أميرا على قنسرين، ولم يجد عمر بدا من الاعتذار عن ذلك بمحضر ملأ من المسلمين؛ حذرا مما عسى أن يقدح في بعض الظنون، فقام وخطب خطبة في شأن العطاء، وألقى في آخرها بالمعذرة، فقال: «وإني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد، فإني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين، فأعطاه ذا البأس وذا الشرف وذا اللسان، فنزعته منه، وأمرت أبا عبيدة ابن الجراح.» فقام أبو عمر بن حفص، وكان ابن عم لخالد فقال: «والله ما اعتذرت يا عمر، ولقد نزعت عاملا استعمله رسول الله

صلى الله عليه وسلم » إلى أن قال: «وقطعت رحما وحسدت ابن العم.» فقال عمر: «إنك قريب القرابة، حديث السن، مغضب في ابن عمك.» ولم يزد على أن التمس لمناقشته وجها وردها ردا لينا، وأخيرا قدم خالد بن الوليد إلى عمر، وحصحص الحق أنه نقي الراحة بريء العهدة مما ظن به، وبذلك كتب عمر إلى الأمصار .

ثم خلف من بعد أولئك خلف عرفوا أن فطرة الدين وطبيعته لا تتحمل شهواتهم العريضة، وألفوا بلاط الملك فسيح الأرجاء بعيد ما بين المناكب، ولكنه لا يساعفهم على أغراضهم وتتبع خطواتهم ما دامت أوصاله ملتحمة بالإدارة الدينية، ولم يهتدوا حيلة إلى فارق بينهما سوى أن يسدوا منافس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون دعاة الإصلاح، وابتكروا ضروبا من الخسف وأفانين من الإرهاق كانوا يهجمون بها على الناس هجوم الليل إذا يغشى، وإذا سمعوا مناديا ينادي ليحق الحق ويبطل الباطل كلموه بألسنة السيوف.

ولما أبق الملك من حضانة الدين وخفقت عليه راية الاستبداد، خالط الأفئدة رعب وأوجال، كأنما مزجت بطينتها، فبعد أن كان راعي الغنم يفد من البادية وعصاه على عاتقه، فيخاطب أمير المؤمنين بيا أبا بكر ويا عمر ويا عثمان، ويتصرف معه في أساليب الخطاب بقرارة جأش وطلاقة لسان وسكينة في الأعضاء، أصبح سيد قومه يقف بين يدي أحد الكبراء في دولة الحجاج فينتفض فؤاده رعبا، ويتلجلج لسانه رهبة، وترتعد فريصته وجلا، يخشى أن يكون فريسة لبوادر الاستبداد.

ولا نجهل أن القرون السالفة تمخضت فولدت رجالا تمتلئ أفئدتهم غيرة على الحق والعدالة، فصغرت في أعينهم أبهة الملك، وازدروا بما يكتنفها من أدوات الاستبداد، فجاهروا بالنصيحة المرة، وخففوا من ويلات المنكر نصيبا وافرا؛ كالقاضي أبي الحسن منذر بن سعيد البلوطي المتوفى سنة 355، وكنت تعرضت إلى نبذة من سيرته في مجلة السعادة عدد 17، ومثل القاضي أبي بكر الطرطوشي صاحب كتاب «الحوادث والبدع»، ولكن هؤلاء الرجال لم يبلغوا النصاب الكافي لإصلاح شأن أمة عظيمة، وما كانوا إلا أمثلة نادرة يضربها الله لدعاة الإصلاح لعلهم يتذكرون.

آثار الاستبداد

إذا أنشبت الدولة برعاياها مخالب الاستبداد، نزلت عن شامخ عزها لا محالة، وأشرفت على حضيض التلاشي والفناء؛ إذ لا غنى للحكومة عن رجال تستضيء بآرائهم في مشكلاتها، وآخرين تثق بكفاءتهم وعدالتهم إذا فوضت إلى عهدتهم بعض مهماتها، والأرض التي اندرست فيها أطلال الحرية إنما تأوي الضعفاء والسفلة، ولا تنبت العظماء من الرجال إلا في القليل، قال صاحب لامية العرب:

الحرية في الإسلام · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية في الإسلامص ١٩