تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجعل الإمام الشافعي رضي الله عنه أنواع العقاب المقررة في الآية مرتبة على حسب حال اختلاف المحاربين بالنظر إلى ما صنعوا، فقال: إذا قتل المحارب ولم يأخذ مالا قتل، وإن أخذ المال وقتل وجب قتله وصلبه، وإن أخذ المال ولم يقتل قطع من خلاف، والنفي والحبس فيمن لم يبلغ جرمه إلى أن يستحق أكثر منهما.

ثالثها:

عقوبة المتعدي بغير السرقة والحرابة كالغاصب، وأمر تشخيصها وتحديدها موكول إلى ذكاء القاضي وعدالته يجتهد فيها رأيه ويقدرها على حسب الجناية.

رابعها:

عقوبة المتلف لمال غيره وهي تغريمه المثل أو القيمة، والعقوبة بالمال في غير هذه الجناية، وقع النزاع في حكمها بين علماء تونس في سنة 828، فأفتوا بالمنع، وانفرد عنهم الشيخ البرزلي، فأفتى في ذلك بالجواز، وجعلها من قبيل المصالح المرسلة، وقال: إذا لم يمكن ردع الجناة إلا بالمال ردعوا بالمال. وألف في ذلك تأليفا فيه نحو أربع أوراق، وخالفه جميع من حضر في ذلك الوقت، وألزموه مخالفة الإجماع، وروي أن مروان بن عبد الحكم أخذ رجلا راود امرأة على نفسها وقبلها وكشفها، فسجنه ولم يطلقه إلا بعد أن فداه أبوه بألف، فأنكر الإمام مالك على مروان فعله؛ لأنه لا يرى القضاء بالعقوبة بالمال، وهذه مسألة عظيمة تستدعي بسطا واستدلالا لا يسعهما هذا المقام.

| الحرية في الأعراض

يريد كل امرئ أومضت فيه بارقة من العقل أن يكون عرضه محل الثناء والتمجيد وحرما مصونا لا يرتع حوله اللامزون، وهاته الإرادة هي التي تبعثه على أن يبدد فريقا من ماله في حل عقال ألسنة؛ لتكسوه من نسج آدابها حلة المديح، أو يسد به أفواها يخشى أن تصب عليه من مرائر أحدوثتها علقما، قال بعضهم:

أصون عرضي بمالي لا أدنسه

لا بارك الله بعد العرض في المال

وقد تتقوى هذه الداعية فتبلغ به إلى أن يخاطر بحياته، وينصب جنبه لسهام الرزايا عندما يرجم بشتيمة تلوث وجه كرامته، ويتجهم بها منظر حياته، قال أبو الطيب المتنبي:

يهون علينا أن تصاب جسومنا

وتسلم أعراض لنا وعقول

ولا يتفاضل الناس في مراقي الشرف والمجادة أو تتسفل هممهم إلى هاوية الرذالة، إلا بمقدار ما تجد بينهم من التفاوت في عقدة هذه الإرادة قوة وانحلالا، فبقوة هذه الإرادة يتجلى لنا في مظاهر الإنسانية مطبوعا على أجمل صورة من الكمال، وبسبب ضعفها تنزل به شهواته من سماء الإنسانية إلى أن يكون حيوانا مهملا، وأعظم مثال يكشف لك عن فنائها وسكون نبضها رجل يأتي الفاحشة ويعانق الرذيلة غير مستور عن أعين الشاهدين، ويرى أثرها بمثابة وسام افتخار في صدر رجل من مشاهير الأمة، فحال هذا الرجل مستثناة من عموم النصوص الواردة في حفظ عرض الإنسان في غيبته، إذ يعد اختياره لجلسته بقارعة الطريق وهتكه لستر كرامته بنواجذه دليلا واضحا على عدم تحرجه ومبالاته بذلك، فينزل منزلة الإذن الصريح لغيره أن ينشر عوراته التي خرقها هو بنفسه علانية.

ونستفيد من هذا أنه لا يحق للطاعن أن يتخطى المعائب التي يجهر بها صاحبها إلى النقائص التي يحرزها بغطاء الستر والكتمان؛ لقوله:

ولا تلمزوا أنفسكم ، وقوله تعالى:

ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ، وفي هذا التشبيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه، وهو من باب القياس الظاهر؛ لأن عرض المرء أشرف من بدنه، فإذا قبح من العاقل أكل لحوم الناس لم يحسن منه قرض أعراضهم بالطريق الأولى، فالمذام التي تلتصق بالشخص خفية لا يسوغ لآخر تكشف عليها أن يحرك بها لسانه، ويتمضمض بإذاعتها في المجامع إلا في مواضع يدور حكم الاستباحة فيها على درء مفسدة تنشأ عن عدم التعريف بها، كإبدائها على وجه النصيحة الخالصة لمن عزم على ربط العلاقة مع صاحبها بمصاهرة أو معاملة مالية مثلا، وكإنهائها إلى من له طاقة على إقلاعه عنها وانتزاعها منه مثل الأمير الأعلى والمعلم المطاع، وما يسلكه أهل الصحافة في أرباب الولايات من تتبع مناكرهم وعرض مظالمهم على أنظار الحكومة لا يخرج عن هذا القبيل، ولكن على شريطة التجرد عن الأغراض الشخصية، والتحقق من صحة ذلك بإسناده إلى حجة قوية مع اللطف في العبارة، وصنيعهم على هذا الشرط يد شاملة يطوقون بها جيد الأمة، ويدينون بها الحكومة العادلة.

الحرية في الإسلام · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية في الإسلامص ١٤