لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ، وقال
صلى الله عليه وسلم : «من ظلم قيد شبر من أرض طوقه من سبع أرضين.»
وقال تعالى:
ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ، وقد تضمنت هذه الآية الإشارة إلى حكم الارتشاء، وقال في شأنه النبي
صلى الله عليه وسلم : «لعن الله الراشي.» هو دافع الرشوة، «والمرتشي» وهو قابضها، «والرائش» وهو المتوسط بينهما. الرشوة أخت السرقة وابنة عم الاغتصاب، وإن شئت فقل: تزوج الاغتصاب بالسرقة، فتولدت بينهما الرشوة؛ لأنها عبارة عن أخذ مال معصوم خفية، ولكنه بسلطة على حين علم من صاحبه، وكان الذين اجترحوا سيئتها قصدوا بها معارضة قاعدة الزكاة في وضعها وحكمتها. أما وضعها فالزكاة مال أوجبه الله على الأغنياء، لتسد منه خلة الفقير والمسكين، والرشوة مال يدلي به الفقراء والأرامل والأيتام إلى الغني ومن ولي الأحكام لينصفهم في الحكومة ولا يخذلهم في مجلس قضائه. وأما حكمتها فالزكاة شرعت لتطهر نفوس الأغنياء من رذيلة الشح، وتجعل بدلها الكرم والسماح، وتنزع الغل والحسد من قلوب الفقراء، وتنشر في مكانهما المودة والرحمة لأهل اليسار، والرشوة تزيد الغني لهفة وحرصا في جمع الأموال، وتفتح في صدره أبوابا من المطامع بقدر ما له من سعة التصرف وقوة النفوذ، ثم توقد له في قلب الراشي ضغينة وحقدا، وتطلق لسانه بخزيه وهوانه، وإن لم يكن بقضائه شقيا. ولما كانت الرشوة عقبة كئودا في سبيل الحرية أخذت الشريعة في تحريمها بالتي هي أحوط، فلا يسوغ للقاضي قبول الهدية إلا من خواص قرابته؛ لئلا تزل به مدرجتها إلى أكل الرشوة، أو يتخذ اسم الهدية غطاء للرشوة يسترها به عن أعين المراقبين لأحواله السرية، ورد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الهدية، فقيل له: كان النبي
صلى الله عليه وسلم
يقبلها، فقال: كانت له هدية ولنا رشوة؛ لأنه كان يتقرب إليه لنبوته لا لولايته، ونحن يتقرب بها إلينا لولايتنا.
ولم يكتف الشارع الحكيم في النهي عن اغتصاب الأموال واختلاسها بما قرع به الأسماع من الزواجر الكلية، فأردفها بتعليمات عمرانية في مواضيع غامضة تقصر عقول البشر عن إدراكها بدون توقيف وتعليم مثل المعاملة بالربا؛ فقد يتوهم سلامتها من أكل المال باطلا، وهي معدودة في قبيله غير خارجة عن معناه. يوافق الربا الاغتصاب في أن الزائد على رأس المال أخذ بغير عوض يقابله، ولم تطب له نفس الدافع، ولا سمح به خاطره، ولكن الحاجة هنا ألجأت إلى إعطائه، كما تلجئ سلطة الغاصب إلى تسليم المال في الغصب الصريح، وهو بهذا الاعتبار ذريعة لاستيلاء الموسرين على تراث أهل الخصاصة وامتصاص أموالهم التي هي بمنزلة الدم لحياتهم شيئا فشيئا، ويقطع سببا وثيقا ترتبط به القلوب رحمة وإخاء وهو السلف مثلا بمثل، فضلا عما يبذره في نفوس أهل الثروة من ألفة البطالة والتقاعد عن الصنائع والمعاملات التجارية، ولم تتقدم الأمم المستحلة للربا في حياتها المدنية بارتكاب مطيته العشواء أخذا وإعطاء، وإنما منبع ثروتها ورفاهية حالها عقد المبادلات التجارية. والإقبال على الفلاحة والصنائع واستنزاف المعادن، والمعاملة بالربا عندهم أمر يسير لا يكاد يظهر بالنسبة إلى مشروعاتهم الواسعة وأعمالهم المتواصلة.
وأما العقوبات المتعلقة بالجناية على الأموال فأربعة أنواع:
أحدها:
عقوبة السارق، قال تعالى:
والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم . من تحقق في النظر إلى جناية السرقة وجدها مفسدة يعسر تلافيها، إذ لا يمكن للناس أن يحرزوا أمتعتهم ويصونوها عن التلف والضياع بأكثر من وضعها في دور قائمة جدرانها موصدة أبوابها مزررة أقفالها، ويتعذر على صاحب المتاع المواظبة على حراسة متاعه بنفسه صباحا ومساء، ولا يتيسر لكل أحد أن يتخذ حراسا يكفونه شر أهل الخيانات أو يجعل دون ماله سدا لا يستطيعون أن يظهروه، ولا يستطيعون له نقبا، والسارق يترصد أوقات الخلوة بالأمتعة، فيذهب إليها في حال تنكر واختفاء، ويخرق الدار ويتسور جدارها، ويقلع الأبواب أو يكسر أقفالها، ثم يملأ حقيبته منها، وينصرف آمنا مطمئنا من افتكاك ما أخذ منه أو إقامة البينة عليه، بخلاف الغاصب أو المنتهب، فإنه يأخذ المال مجاهرة، فيمكن استرجاعه منه بالقوة أو بالإشهاد عليه؛ ولهذا كانت السرقة أكثر وقوعا، وأجلب للخلل في النظام، فاستحق صاحبها تشديد العقوبة عليه؛ لقطع جرثومة فسادها عن الناس، وأليق العقوبات به قطع الجارحة التي يتوسل بها إلى الإذاية، ويباشر بها الجناية على الأموال المعصومة.