وبعد مهلك السلطان بادر الوزير الحسن بن عمر إلى إطلاق سراح ابن خلدون من الاعتقال، وخلع عليه من الإكرام بردا ضافيا، وأعاد إليه ما كان يتقلده من أعمال الدولة.
وعندما استلم السلطان أبو سالم زمام الملك استعمل ابن خلدون على كتابة سره، وألقى إليه الأمر في إنشاء مخاطباته، فعدل بالإنشاء عن طريقة التسجيع وأخذ به في طريق الترسل - ولم يكن في كتاب الدولة لذلك العهد من يجيد صناعة الترسل - فكانت هذه المزية من أسباب تفوقه وإحرازه قصب السبق في حلبة البيان والتحرير.
ولم تزل مكانته لدى أبي سالم راضية، ولم تزحزحه سعاية ابن مرزوق - التي تناولت أكثر رجال الدولة - عما كان يتولاه من كتابة السر وإنشاء المخاطبات، بل لم تقف في سبيل تقليده خطة المظالم آخر عهد الدولة، حتى ثار الوزير عمر بن عبد الله على السلطان ونبذ الناس بيعته من أعناقهم. (10) ابن خلدون في دولة الوزير عمر بن عبد الله
وقع زمام الحكم في قبضة الوزير عمر بن عبد الله وكانت بينه وبين ابن خلدون قبل توليه أمر الدولة مودة وصحبة، فأقره على ما كان يتولاه من العمل وزاد في جرايته. وكان ابن خلدون يطمح بطغيان الشباب إلى غاية أسمى مما يتولى من الأعمال، وفي أمله أن عناية صديقه المقتدر لا تتريث في إسعافه ببغيته. ولما لاح له أن الوزير أخل بعهد الصحبة أخذه الاستياء من تقصيره إلى أن انقطع عن دار السلطان وهجرها؛ إدلالا بسابق المودة، ولكن منصب الوزارة أنسى عمر بن عبد الله أن من أساليب عتب الأصدقاء وتذكيرهم بحق أغمضوا عنه هجرهم من غير جفاء، وصرف القدم عن زيارتهم لا عن ملل. ولم يشأ منصب الوزارة إلا أن يفهمه أن تقاعد ابن خلدون عن مقر السلطان زلة جره إليها تعاظمه وقلة وفائه بما يستحق مقام الرياسة العليا من إكبار وخضوع، فبدلا من أن يرعى الوزير مقام الصداقة ويجعله أرفع مكانا وأقوى سلطانا من مقام الرياسة، أخذته نخوة السلطة، وقابل هجر العتاب والإدلال بهجر الجفاء والتقاطع.
ولما رأى ابن خلدون منه التنكر والإصرار على الإعراض عنه استأذنه في العود إلى إفريقية، فلم يجز له ذلك، وشدد في منعه، حتى دخل عليه يوم عيد الفطر وخاطبه بقصيدة يقول في طالعها:
هنيئا لعيد لاعداه قبول
وبشرى لعيد أنت فيه منيل
فحلت هذه القصيدة عقدة من إبائه، وأذن له في السفر، على شرط أن لا يتخذ سبيله إلى تلمسان؛ كراهة أن يتصل بصاحبها أبي حمو ويشتد به أزر دولته . (11) رحلة ابن خلدون إلى الأندلس
احتمل ابن خلدون هذا الشرط، وولى وجهه شطر الأندلس وافدا على السلطان ابن الأحمر بغرناطة. ولما بات بمقربة منها وافته من وزيرها لسان الدين بن الخطيب رسالة يهنئه فيها بالقدوم، ويعبر بها عن شدة ابتهاجه للقياه، ووضع في صدر الرسالة أبياتا - على سنة من يجيد صناعتي الشعر والنثر - وهي:
على الطائر الميمون والرحب والسهل
حللت حلول الغيث في البلد المحل
يمينا بمن تعنو الوجوه لوجهه
من الشيخ والطفل المعصب والكهل
لقد نشأت عندي للقياك غبطة
تنسي اغتباطي بالشبيبة والأهل (12) إرساله سفيرا إلى ملك الإسبان
نزل ابن خلدون من السلطان ابن الأحمر منزلة الاحتفاء والإنعام، وندبه للسفارة بينه وبين ملك الإسبان، فعرف الملك قيمته وأعجب بكماله ومقدرته، حتى دعاه إلى الإقامة معه بدار ملكه «إشبيلية»، ملتزما له بأن يرد عليه ما كان لسلفه من أملاك، فرفض ابن خلدون هذه الدعوة، ولم يكن ممن يشغفه المال حبا فيؤثره على المقام بين أمته التي يشرف بشرفها وينحط شأنه بانحطاط سمعتها. (13) تنكر وزير الأندلس له
حاز ابن خلدون لدى ابن الأحمر رعاية ضافية، فجاش الحسد في نفوس بعض معاديه، وطفقوا يسرون لابن الخطيب ما يزلزل ركن الصداقة بينه وبين ابن خلدون؛ حتى اغبر صدره، وبدا عليه انقباض أحس به ابن خلدون، فجعل وجه البلاد في عينه قاتما، ولم يسعه بعد تنكر ابن الخطيب - وهو القابض على مقاليد الدولة - إلا أن يعتزم على الرحلة، واتفق أن وافته كتب من أبي عبد الله صاحب بجاية يستدعيه للقدوم عليه، فاتخذها ذريعة لاستئذان السلطان في الانصراف إلى إفريقية دون أن يطلعه على ما كان بينه وبين ابن الخطيب، فامتعض في مبدأ الأمر ضنا بفراقه، ثم ادكر أن للحنين إلى الوطن حكما لا يغالب، فأذن له بالظعن وأصدر في تشييعه مرسوما من إملاء ابن الخطيب، يشهد له فيه برفعة القدر واستقامة السيرة والتحقيق في العلم، ويوصي قواد الدولة وأعوانها برعايته وإسعافه في كل حال. (14) سفرة الثاني إلى بجاية