وإن حسن الصوت مما أنعم الله به على صاحبه، فقال - عز وجل -:
يزيد في الخلق ما يشاء
جاء في التفسير من ذلك الصوت الحسن. وذم الله - سبحانه - الصوت الفظيع
3
فقال:
إن أنكر الأصوات لصوت الحمير
يدل مفهومه على مدح الصوت الحسن النقي.
وقد ورد في الحديث الشريف: (حسنوا القرآن بأصواتكم؛ فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا).
وعن أنس بن مالك (رضى الله عنه) قال - قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم (لكل شيء حلية، وحلية القرآن الصوت الحسن).
وقد أنكر مالك - رحمه الله تعالى - القراءة بالتلحين. وأجازها الشافعي - رضي الله تعالى عنه - وليس المراد بالتلحين تلحين الموسيقى الصناعي؛ فإنه لا ينبغي أن يختلف في حظره؛ إذ صناعة الغناء مباينة للقرآن بكل وجه؛ لأن القراءة والأداء تحتاج إلى مقدار من الصوت لتعيين أداء الحروف لا من حيث اتباع الحركات في موضعها ومقدار المد عند من يطلقه أو يقصره وأمثال ذلك - والتلحين أيضا يتعين له مقدار من الصوت لا يتم إلا به من أجل التناسب الذي قلناه في حقيقة التلحين واعتبار أحدهما قد يخل بالآخر إذا تعارضا، وتقديم الرواية متعين من تغيير الرواية المنقولة في القرآن، فلا يمكن اجتماع التلحين والأداء المعبر في القرآن بوجه، وإنما مرادهم التلحين البسيط الذي يهتدي إليه صاحب المضمار بطبعه كما قدمناه فيردد أصواته ترديدا على نسب يدركها العالم بالغناء وغيره، ولا ينبغي ذلك بوجه كما قال مالك، هذا هو محل الخلاف
4
والظاهر تنزيه القرآن عن هذا كله كما ذهب إليه الإمام - رحمه الله تعالى؛ لأن القرآن محل خشوع بذكر الموت وما بعده، وليس مقام التلذذ بإدراك الحسن من الأصوات، وهكذا كانت قراءة الصحابة رضي الله عنهم كما في أخبارهم - وأما قوله
صلى الله عليه وسلم : (لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود) فليس المراد به الترديد والتلحين، إنما معناه حسن الصوت وأداء القراءة والإبانة في مخارج الحروف والنطق بها.
وقال ابن غانم المقدسي - رحمه الله - في كتابه (حل الرموز): إن كثيرا من المتعمقين والمتقشفين كرهوا السماع وأنكروه أصلا وفرعا، وحقيقة وشرعا، وهذا غلط منهم؛ لأن ذلك يفضي إلى تخطئة كثير من أولياء الله - تعالى - وتفسيق كثير من العلماء؛ إذ لا خلاف أنهم سمعوا الغناء وتواجدوا وأفضى بهم ذلك إلى الصراخ والغشية والصعق، فكيف ينسب إليهم نقص وهم سالكون أتم الأحوال ، وإنما يحتاج ذلك إلى تفصيل ونظر في أهل السماع واختلاف طبقاتهم - فمن صح فهمه وحسن قصده وصقلت الرياضة مرآة قلبه وجلت نسمات العزيمة قضاء سره فصفا من تصاعد الأكدار طبعه، ونجا من بشريته وخيالات وساوسه وعري عن حظوظ الشهوات، وتطهر من دنس الشبهات، فلا تقول إن سماعه حرام وفعله خطأ. (محاورة فلسفية) اجتمع جماعة من الحكماء والفلاسفة في مجلس ملك من الملوك ففضل أثناء المحاورة أحدهم البصر على السمع بقوله: لا أنكر أن السمع والبصر هما من أفضل الحواس الخمس وأشرفها التي وهبه الباري جل ثناؤه للحيوان، ولكن أرى أن البصر أفضل؛ لأن البصر كالنهار والسمع كالليل - فقال أحدهم: لا بل السمع أفضل من البصر؛ لأن البصر يذهب في طلب محسوساته، ويخدمها حتى يدركها مثل العبيد - والسمع يحمل إليه محسوساته حتى تخدمه مثل الملوك.
وقال آخر: البصر لا يدرك محسوساته إلا على خط مستقيم - والسمع يدركها من محيط الدائرة.
وقال آخر: محسوسات البصر أكثرها جسمانية - ومحسوسات السمع كلها روحانية.
وقال آخر: النفس بطريق السمع تنال خبر من هو غائب عنها بالمكان والزمان - وبطريق البصر لا تنال إلا ما كان حاضرا في الوقت.
وقال آخر: السمع أدق تمييزا من البصر؛ إذ كان يعرف بجودة الذوق الكلام الموزون والنغمات المناسبة، والفرق بين الصحيح والمنزحف والخروج من استواء اللحن - والبصر يخطئ في أكثر مدركاته، فإنه ربما يرى الكبير صغيرا والصغير كبيرا، والقريب بعيدا والبعيد قريبا، والمتحرك ساكنا والساكن متحركا، والمستوي معوجا والمعوج مستويا.