تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طريقة الغناء في مصر الآن

يبتدئ أولا بالبيشروات لأنها الأصل - وهي من صناعة أهل الأستانة - ثم بالموشحات؛ لأنها فروعها ولو أنها قديمة فإن أهل الأندلس لما كثر الشعر في قطرهم وتهدبت مناحيه وفنونه، وبلغ التنميق فيه الغاية استحدث المتأخرون منهم فنا منه سموه بالموشح ينظمونه أسماطا أسماطا أو أغصانا أغصانا، يكثرون منها ومن أعاريضها المختلفة، ويسمون المتعدد منها بيتا واحدا ويلتزمون عند قوافي تلك الأغصان وأوزانها متتاليا فيما بعد إلى آخر القطعة، وأكثر ما تنتهي عندهم إلى سبعة أبيات ويشتمل كل بيت على أغصان عددها بحسب الأغراض والمذاهب وينسبون فيها ويمدحون كما يفعل في القصائد وتجاروا في ذلك إلى الغاية واستظرفه الناس جملة؛ الخاصة والكافة لسهولة تناوله وقرب طريقه - وكان المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدم بن معافر الفريري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني، وأخذ ذلك عنه أبو عبد الله أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب العقد، ولم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر - وكسدت موشحاتهما - فكان أول من برع في هذا الشأن عبادة القزاز شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المرية - وقد ذكر الأعلم البطليموسي أنه سمع أبا بكر بن زهير يقول: كل الوشاحين عيال على عبادة القزاز فيما اتفق له من قوله:

بدر تم

شمس ضحا

غصن نقا

مسك شم

ما أتم

ما أوضحا

ما أورقا

ما أتم

لا جرم

من لمحا

قد عشقا

قد حرم

وزعموا أنه لم يسبق عبادة وشاح من معاصريه الذين كانوا في زمن الطوائف - وجاء مصليا خلفه منهم بن أرفع رأسه شاعر المأمون بن ذي النون صاحب طليطلة - قالوا وقد أحسن في ابتدائه في موشحته التي طارت له حيث يقول:

العود قد ترنم

بأبدع تلحين

وسقت المذايب

رياض البساتين

وفي انتهائه حيث يقول:

تخطر ولا تسلم

عساك المأمون

مروع الكتائب

يحيى بن ذي النون

واستمر ذلك مستحسنا عندهم فتفننوا فيه وجعلوه على أوزان كثيرة مختلفة - وانتقل هذا النوع على المشرق فنظموا منه مال لا يدخل تحت حصر - ومن أرق ما نظم من ذلك قول ابن سنا الملك: (كللي - يا سحب تيجان الربا بالحلى

واجعلي - سوارك منعطف الجدول)

وسنذكر بقيته عند وضع كلام الموشحات - ثم بعد الموشحات ينشد المغني قصيدة أو موالا - وفي أثناء ذلك يطرب بآلة مثل العود أو القانون - ويسمى بالتقسيم - وأهل مصر في هذا العصر لهم شغف بسماع الأدوار البسيطة فإنهم يطربون لها بمجرد سماعها لسهولة ألفاظها وفهم معانيها ولخلاعة المغني بها - فينشدون معا القطعة الأولى من الدور المسماة بالمذهب - ثم ينشد المغني بمفرده أو بمساعدة رقيق له مساعدة بسيطة الدور - هذا إذا كان المغني حسن الصوت - أما إذا كان غير ذلك فينشد الدور مع واحد أو اثنين أو ثلاثة حسبما يتراءى له - ثم يختمون بإعادة المذهب - وبعد بالدوارج ويستريحون قليلا، ويسمى هذا - (بالفصل الأول) أو (بالوصلة الأولى) ثم يعيدون الغناء كما كان إلى الفصل الثالث - وفي أخريات الليل ينشد المغني بمفرده قصيدة - أو يردون لازمة عليه وهو ينشد لهم أبياتا مساوية لها في الوزن الشعري - ولي كلام هنا أيضا - وهو أن بعض الأمراء؛ نظرا لأن المغنين لا يبتدئون في الغناء إلا قرب نصف الليل تقريبا، فيكتفون بسماع الفصل الأول - الذي يكون المغني فيه غير متحصل تماما على الاستعداد الكافي للطرب - فالأصوب لأصحاب الأفراح أن يعودوا المغنيين على أن يغنوا مبكرا؛ ليكون للسامعين من انفساح الوقت ما يذهبون على منازلهم مستريحي الجسم منشرحي الصدر.

فصل في تفضيل الغناء القديم على الحديث وفيه بحث

لا جدال ولا خلاف في حسن الغناء القديم وصحته ووثاقته وبه اقتاد المحدثون وعليه مثل الملحنون جيلا بعد جيل وأهل عصر بعد عصر - قبل لأحد المغنين لم تؤخرون الغناء المحدث وأنا أحس من الطرب عليه ما لا أجد من الطرب على القديم بالجملة؟ فقال: ما نؤخره إلا لعلة - وذلك أن الغناء المحدث موضوع على زجل ركيك المعنى سقيم اللفظ - والقديم بخلاف ذلك لأنه محصور القوانين صحيح القسمة جزل الألفاظ حلو المعاني - قال إبراهيم الموصلي: فضل الغناء القديم على المحدث كفضل الطعام الطيب على غيره؛ لأن الطعام يأكله الشبعان لطيبته وهو يعلم فضله - والطعام الغير طيب يأكله الجائع ضرورة ويعلم أن غيره أفضل منه وأشرف - وتنصرف عنه نفس الشبعان وتأباه - وسبيل الغناء القديم والحديث سبيل الحديث وأنه كرواية عن العلماء كلما قرب الأستاذ كان أصح وأشرف - ويحتاج الناقل أن يكون جيد التأدية صحيح التصور والتمثيل لا يزيد فيه ولا ينقص وإلا أفسده - وأن يحفظ أجزاءه ومقاطعة ويوفي نغمه.

كِتاب المُوسيقى الشرقي · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كِتاب المُوسيقى الشرقيص ٤٩