تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبما ذكر يكون الغناء.

وقد أجمعت الأمم من جميع الطبقات على حب الألحان ولكن ذلك حسب عاداتهم واصطلاح بلادهم؛ لأنك تجد لكل أمة من الناس ألحانا ونغمات يستلذونها ويفرحون بها، لا يستلذها غيرهم ولا يفرح بها سواهم؛ مثل غناء الروم والفرس والأتراك والعرب والأكراد والأرمن والسوريين والزنج وغيرهم من الأمم المختلفة الألسن والطباع والأخلاق والعادات - إلا بالتعود على سماعها أو بمعرفة مواقع الطرب في لحن كان.

ومن الدليل البين أن لها تأثيرا في النفوس كون الناس يستعملونها تارة عند الفرح واللذة والأعراس والولائم - وأخرى عند الحزن والغم والمصائب والمآتم - وطورا في بيوت العبادة والأعياد - وآونة في الأسواق والمنازل وفي الأسفار والحضر وعند الراحة والتعب وفي مجلس الملوك ومنازل السوقة - ويستعملها الرجال والنساء والصبيان والمشايخ والعلماء والجهلاء والصناع والتجار وجميع طبقات الناس.

وهي من الأدوية المفيدة في علاج بعض الأمراض العصبية. قال الشيخ أبو المواهب في رسالته: حكي أنه كان رجل مقعد لا ينصب قامته، فلما سمع آلات الطرب قام ونصب قامته وارتاحت مفاصله.

وتفيد أيضا لترويض الفكر بعد تعبه في المسائل المعضلة

1

قال الراجز:

الفكر في المسائل الصعاب

يورث في القلوب داء رابي

دواؤه سماع صوت يحسن

وذاك في (المعاق) حكم بين

وقال الشيخ عبد الرءوف المناوي - رحمه الله تعالى -: ينبغي للطالب عند وقوف سنه - ترويحه بنحو شعر أو (سماع) أو حكايات؛ فإن الفكر إذا أغلق ذهل عن تصور المعاني، وذلك لا يسلم منه أحد ولا يقدر إنسان على مكابدة ذهنه على الفهم، وغلبة قلبه على التصور؛ لأن القلب مع الإكراه أشد قبولا، وأبعد نفورا، وفي الأثر أن القلب إذا أكره عمي ولكن يعمل على دفع ما طرأ عليه بترويحه بشعر أو نحوه من الأدب، فيستجيب له القلب مطيعا، قال الشاعر:

وليس بمغن في المودة شافع

إذا لم يكن بين الضلوع شفيع

وقيل: إن الملاذ التي عليها مدار الوجود أربعة: المأكل لعدم قيام البدن بدونه، والسماع لتعلقه بالروح وهي أشرف أجزاء الجسم، والنكاح لتعلقه بالنسل، والملبس لستر البدن، ولا يزاد في كل منها عن اللزوم، فإن زيد فيها عن ذلك حصل الإعياء، ما عدا السماع؛ فالزيادة لازمة فيه لغذاء الروح وراحة البدن وشفائه من الأسقام.

قال أفلاطون: من حزن فليستمع الأصوات الطيبة؛ فإن النفس إذا حزنت خمد منها نورها، فإذا سمعت ما يطربها اشتعل منها ما خمد.

وكان إسكندر ذو القرنين إذا وجد في نفسه ما يعيي مزاجه من انقباض أو حدس؛ دعا تلميذه ليحضر له العود ويضرب عليه، فيزول عنه ما كان يجده.

وقال أفلاطون: إن هذا العلم لم تضعه الحكماء للتسلية واللهو، بل للمنافع الذاتية، ولذة الروح الروحانية وبسط النفس وترويق الدم، أما من ليس له دراية في ذلك، فيعتقد أنه ما وضع إلا للهو واللعب والترغيب في لذة شهوات الدنيا والغرور بأمانيها.

قال أحد الحكماء: إن الغناء فضيلة تعذر على المنطق إظهارها ولم يتعذر على النفس إخراجها بالعبارة، فأخرجتها النفس لحنا موزونا - فلما سمعتها الطبيعة استلذتها وفرحت وسرت بها، فاسمعوا من النفس حديثها ومناجاتها، ودعوا الطبيعة والتأمل لزينتها؛ لئلا تغرنكم.

وقال آخر: احذروا عند سماع الموسيقى أن يثور بكم شهوات النفس البهيمية نحو زينة الطبيعة، فتميل بكم عن سنن الهدى، وتصدكم عن مناجاة النفس العليا.

وقال آخر: إن أصوات آلات الطرب ونغماتها - وإن كانت بسيطة - ليس لها حروف معجم، فإن النفوس إليها أشد ميلا ولها أسرع قبولا؛ لمشاكلة ما بينهما؛ وذلك أن النفوس أيضا جواهر بسيطة روحانية ونغمات آلات الطرب كذلك، والأشكال إلى أشكالها أميل.

وقال آخر: نعم وإن كانت ليست بحيوان، فهي ناطقة فصيحة، تخبر عن أسرار النفوس وضمائر القلوب. ولكن كلامها أعجمي يحتاج إلى الترجمان

كِتاب المُوسيقى الشرقي · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كِتاب المُوسيقى الشرقيص ٣