تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فرفع طرفه إلى السماء وقال : اللهم يا رب الأولين والآخرين إن كنت تعلم أن ابنتي هذه كاذبة في قولها فامسخها حجرا ، فمسخها الله حجرا ، ولي أربعون سنة في هذا المكان ، وأنا أتقوت من نبت الأرض وأشرب من هذه الأنهار وأتسلى بالنظر إلى هذه الصنمة إلى أن يحكم الله بالموت ثم بكى وأنشد يقول : وحق الذي أبكى وأضحك والذي . . . أمات وأحيا والذي خلق الخلقا لئن قلت إن الحب قد يقتل الفتى . . . وإن الفتى بعد التفرق لا يبقى لقد قلت حقا واسأل العبرة التي . . . تسيل وسيل الدمع مني لا يرقا قال الأصمعي : ثم قام ذلك الشاب وتوارى عني بجدار من تلك الجدر ، ونزع المسوح التي كانت عليه ولم يبق عليه إلا ما يواري سوأته فتأملته ، فإذا عيناه تدور في أم رأسه فقلت في نفسي : هذا أراد أن يطلعني على نحول جسده ثم أقبل علي ، وهو عريان وقال لي : يا فتى إنني قائل ثلاث أبيات ، وكان مني ما كان ، فإذا أنا مت فكفني أنا وإياها في هذه الجبة وادفنا في هذا الجون وضمنا بالتراب واكتب على قبرنا هذه الأبيات : من لم يكن يحسب أن الهوى . . . يقتل ، فلينظر إلى مضجعي لم يبق لي حول ولا قوة . . . إلا خيال الشمس في موضعي أشكو إلى الرحمن جهد البلا . . . إشارة بالطرف والإصبع قال الأصمعي : هذا وأنا أنظر إليه وأسمع شعره وأتعجب منه ومن أمر الصنمة . وإذا به وقع على الأرض مستلقيا على قفاه وشهق شهقة فارقت روحه جسده . قال الأصمعي : فكفنتهما ودفنتهما في ذلك الجون ، وكتبت على قبرهما تلك الأبيات وتركتهما وانصرفت وأنا متعجب غاية العجب ، انتهى .

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس · الصفحة ٣٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباسص ٣٠٦