فقال : بكم . قال : بدينارين . قال : على شرط أنك لا تسرقها . قال : نعم . فأعطاه دينارين ، فلم يعد الخادم يسرق بعدها شيئا لما رأى من حلمه ، والله أعلم .
| الطفيلي الأديب والمأمون
وروى بعض أهل الأدب أن فتى من أهل الكوفة قد فاق أهل زمانه في الأدب والبيان والفصاحة باللسان ناقدا في صناعته ، حافظا للأقدار ، راويا للأشعار ، خبيرا بسير الملوك في الأيام السالفة ، بصيرا بالبحث عن أمورهم في الأيام الآنفة ، حاذقا في التصنيف ، فائقا في التأليف ، صبيح الوجه ، مقبول المشاهد ، حلو الشمائل ، وكان مع ذلك لا يتوجه له وجه من العمل إلا عارضه فيه عائق ، وحال دونه حائل وقدر سابق ، فبقي حينا من الدهر ، وقد برز في القدر والمال والجاه من كان عنده في الصناعة متأخرا ، فضاق صدره وعيل صبره وضلت ومقاليده ، فخرج إلى بغداد واكترى في بعض خاناتها منزلا وأجمع رأيه على أن يحمل نفسه على خطب هائل ليكون فيه هلكه أو ملكه ، وتربص لذلك أن يرى وجها إلى أن عزم أمير المؤمنين أن يشرب يوما هو وصنوه المعتصم ، فأمر المأمون بالاستعداد ليوم سماه ليخلو فيه مع الجواري ، منفردين عن سائر الندماء ، فظهر خبرهما بذلك . وعرف الناس ذلك اليوم الذي عزم عليه ، فعزم هذا الأديب المذكور على أن يتطفل في ذلك على المأمون وأخيه المعتصم ، فمضى إلى إخوانه وأصدقائه فاستعار من هذا قباء وجبة وردية ، ومن آخر منطقة وخفا وسيفا ، ومن آخر برذونا ، ومن آخر ما يحتاج إليه من الطيب واستعد لذلك اليوم ، ودخل الحمام سحرا ، وتطيب ، ولبس وركب عند طلوع الشمس إلى دار المعتصم وقال للحاجب : عرف الأمير أني رسول أمير المؤمنين واستأذن لي عليه . فسعى الحاجب عدوا حتى أخبر المعتصم ، فأذن له . فلما دخل عليه ، وتمثل بين يديه ، قال له : سيدي إن أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك : أنسيت الوعد ، ألم يقدم إليك بالركوب لنخلو ونستريح يومنا هذا ؟ قال المعتصم : لا والله ما نسيت ذلك ، ولكن