فخرجت وجئت إلى الزنبيل ، فوجدته على عادته ، فجلست فيه ورفعت إلى موضع البارحة ، وإذا هي قد طلعت ، فقالت : لقد عاودت . فقل : ولا أظن إلا أنني قد ثقلت . وأخذنا في المحادثة مثل تلك الليلة السالفة في المذاكرة والمناشدة وغريب الغناء منها إلى الفجر . فانصرفت إلى منزلي ، فصليت الصبح ، ونمت . فانتهى رسول أمير المؤمنين غلي فمضيت إليه وأقمت نهاري عنده ، فلما كانت العشية توجه إلي مخاطبا ، وقال : أقسمت عليك لتجلسن حتى أجيء وأحضر ، فما كان حتى أن غاب وجالت وساوسي ، فلما تذكرت ما كنت فيه هان علي ما يخصني من أمير المؤمنين ، فوثبت مبادرا وخرجت جاريا حتى أتيت الزنبيل ، فجلست فهي فرفعت إلى مجلسي ، فقالت : صديقنا . قلت : إي والله . قالت : أجعلتها دار إقامة ؟ قلت : جعلت فداك حق الضيافة ثلاثة أيام ، فإن رجعت بعد ذلك ، فأنتم في حل من دمي . ثم جلسنا على ذلك الحال فلما قرب الوقت علمت بأن المأمون لا بد أن يسألني ، فلا يقنع إلا بشرح القصة فقلت : أنا أراك ممن يعجب بالغناء ولي ابن عم أحسن مني وجها ، وأظرف قدا وأكثر أدبا وأطيب أرجا ، وهو أعرف خلق الله بغناء إسحاق . فقالت : طفيلي وتقترح . قلت : لها : أنت المحكمة . قم قالت : إن كان ابن عمك على ما تصف فما نكره معرفته . ثم جاء الوقت فنهضت وقمت وذهبت ، فلم أصل إلى داري إلا ورسل أمير المأمون قد هجموا علي وحملوني حملا عنيفا فوجدته قاعدا على كرسي وهو مغتاظ فقال : يا إسحاق ، أخروجا عن الطاعة ؟ قلت : لا والله . قال : فما قصتك أصدقني ؟ قلت : نعم في خلوة . فأومأ إلى من بين يديه فتنحوا ، فحدثته الحديث وقلت له : وعدتها بك . قال : أحسنت فأخذنا في لذتنا ذلك اليوم ، والمأمون معلق القلب بها ، فما صدقنا أن جاء الوقت وسرنا ، وأنا أوصيه وأقول له : تجنب واحذر أن تناديني باسمي بحضرتها ، وغن وأنا لك تبع وهو يقول : نعم ، ثم سرنا إلى الزنبيل فوجدناهما اثنين ، فقعدنا فيهما
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس · الصفحة ٢١٣
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباسص ٢١٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي