| المأمون والورد
وقال إسحاق : دخلت يوما على المأمون في زمن الورد ، فقال لي : يا إسحاق ! هل قلت شيئا في الورد ؟ قلت : أقول بسعادة أمير المؤمنين . وفكرت ساعة فلم تسمح قريحتي في ذلك الوقت بشيء ، فخرجت من عنده وبقيت ليلتي ساهرا متفكرا ، فلم يفتح علي بشيء ، فلما أصبحت غدوت إلى دار الخلافة ، وإذا غلام الفضل بن مروان على باب المأمون ، ومعه سبع وردات على صينية فضة ، ينتظر الإذن في الدخول بها عليه ، فسألته المهلة بها قليلا ، فامتنع ، سألته ثانيا ، وقلت : أمهل قليلا ، ولك بكل وردة دينار . فأجابني إلى ذلك فدفعت له سبعة دنانير ، وأحببت أن لا يصل إليه الورد قبل وصول الشعر ، وخرجت أقصد الأزقة لعلي أسمع شيئا من أحد أو ينبعث خاطري ولو ببيت واحد ، فبينما أنا كذلك وإذا أنا برجل يغربل التراب وهو ينشد ويقول : اشرب على ورد الخدود فإنه . . . أزهى وأبهى ، فالصبوح يطيب ما الورد أحسن من تورد وجنة . . . جمراء جاد بها عليك حبيب صبغ المدام بياضها فكأنه . . . ذهب بقالب فضة مضروب فلما سمعته نزلت عن دابتي ، ودخلت مسجدا بالقرب منه وطلبته ، فلما أقبل سألته أن يمليها علي فاعتل ، وقال : إن أردت فاعطني بكل بيت عشرة دنانير ، فدفعتها له واستمليتها منه ثم عدت أنا وغلام الفضل بن مروان ، وإذا بالمأمون يشرب من وراء الستارة ، فلما جسيت العود قال لجواريه : اسكتن ، فقد جاء إسحاق ، فقدمت ذلك الورد بين يديه وأنشدت الأبيات فسمعت الشهيق والزفير من وراء الستارة ثم أخرج إلي بدرة فيها عشرة آلاف درهم ، فأعدت الأبيات ، فأخرج إلي بدرة أخرى ، فأعدت الثالثة فأخرج إلي بدرة ثالثة ، فأخذت في غير الشعر ، فخرج إلي خادم وقال : يقول لك أمير المؤمنين لو دمت على إنشادك لدمنا على البدرة ولو إلى الليل ، انتهى من حلية الكميت . ؟