قال : من أدناها أم من أقصاها ؟ قال : من أقصاها . قال الأصمعي : فالتفت إلي الفضل وقال : كم من العراق إلى أرض قضاعة . ؟ فقلت : ثمانمائة فرسخ . فقال : يا أخا العرب ، مثلك لم يقصد من ثمانمائة فرسخ إلى العراق إلا لشيء . قال : قصدت هؤلاء الأماجد الأنجاد الذين قد اشتهر معروفهم في البلاد . قال : من هم ؟ قال : البرامكة . قال الفضل : يا أخا العرب البرامكة خلق كثير ، وفيهم جليل وخطير ، ولكن منهم خاصة وعامة ، فهلا أفردت لنفسك منهم من اخترت لنفسك وأتيته لحاجتك ؟ قال : أجل ! أطولهم باعا وأسمحهم كفا . قال : من هو ؟ قال : الفضل بن يحيى بن خالد . فقال له الفضل : يا أخا العرب ، إن الفضل جليل القدر عظيم الخطر ، إذا جلس للناس مجلسا عاما لم يحضر مجلسه إلا العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء والكتاب والمناظرون للعم ، أعالم أنت ؟ قال : لا . قال : أفأديب أنت ؟ قال : لا . قال : أفعارف أنت بأيام العرب وأشعارها ؟ قال : لا . قال : هل وردت على الفضل بكتاب وسيلة ؟ قال : لا . فقال : يا أخا العرب غرتك نفسك ، مثلك يقصد الفضل بن يحيى ، وهو كما عرفتك عنه من الجلالة ، بأي ذريعة أو وسيلة تقدم عليه ؟ قال : والله يا أمير المؤمنين ما قصدته إلا لإحسانه المعروف وكرمه الموصوف وبيتين من الشعر قلتهما فيه . فقال الفضل : يا أخا العرب أنشدني البيتين فإن كانا يصلحان أن تلقاه بهما أشرت عليك بلقائه ، وإن كانا لا يصلحان أن تلقاه بهما بررتك بشيء من مالي ورجعت إلى باديتك وإن كنت لم تستحق بشعرك شيئا . قال : أفتفعل أيها الأمير ؟ قال : نعم . قال : فإني أقول : ألم تر أن الجود من عهد آدم . . . تحدر حتى صار يملكه الفضل ولو أن أما قضها جوع طفلها . . . ونادت على الفضل بن يحيى اغتذى الطفل قال : أحسنت يا أخا العرب . فإن قال لك هذان البيتان قد مدحنا بهما شاعر ، وأخذ الجائزة عليهما ، فأنشدني غيرهما فما تقول ؟ قال : أقول :
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس · الصفحة ١٨٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباسص ١٨٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي