فقلت : يا سيدي ! الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى والوحي ما نزل إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : يا عاقل أما سمعت قول القائل : قلوب العاشقين لها عيون . . . ترى ما لا يراه الناظرونا وأجنحة تطير بغير ريش . . . إلى ملكوت رب العالمينا فقلت : صدقت يا مولاي ، ثم ناولته الكتاب ففضه وقرأه ثم بصق فيه وداسه برجله ورماه في البركة فصعب علي ، فلما علم مني ذلك قال : مم غيظك ؟ أقعد الليلة عندي كل واشرب وخذ مني الخمسمائة دينار التي وعدتك بها الست بدور ، وأنا أحب إليك منها وأنشد يقول : رأيت شاة وذئبا وهي ماسكة . . . بأذنه وهو منقاد لها ساري فقلت : أعجوبة ثم التفت رأى . . . ما بين نابيه ملقى نصف دينار فقلت للشاة : ماذا الإلف بينكما . . . والذئب يسطو بأنياب وأظفار تبسمت ثم قالت وهي ضاحكة . . . بالتبر يكسر ذاك الضيغم الضاري قال : فلما سمعت كلامه ، يا أمير المؤمنين تقدمت وأكلت بحسب الكفاية والنهاية . ثم انتقلنا إلى مجلس الشراب وقدمت بين أيدينا البوطي والسلاحيات ، فتناول الأمير عمرو وشرب وسقاني ، وأنا أحدثه وأنادمه إلى أن قرب الغروب فقال : يا أبا الحسن ، ما لذة الأمير إذا شرب إلى المساء من غير غناء ؟ فقلت : يقال : الشراب بلا طرب ولا سماع ، الدن أولى به . فقال لي : قم بسم الله . فقمت معه إلى مجلس وحضيرة تنقط بالذهب واللازورد العجيب ، وهي مزخرفة قد عبقت أزهارها وضحكت سلاحيتها وصفت بواطيها ورفعت أقداحها فجلس الأمير عمرو وأجلسني بجانبه وقدمت بين أيدينا الشموع وأسرجت القناديل فنظرت إلى مجلس عجيب وحضيرة مليحة ثم قلت : يا مولاي ، قد تقدم القول إن الشراب بلا سماع ، الدن أولى به ، فصفق بكف وإذا بثلاث جوار قد أقبلن كأنهن الأقمار . الواحدة تحمل عودا ، والثانية تحمل دفا ، والثالثة تحمل مزمارا ثم نقرت الدفية على دفها ، وألحت العودية عودها وزمرت الزامرة بمزمارها فخيل إلي أن المجلس الذي نحن فيه يرقص بنا ثم إن الدفية غنت تقول :
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس · الصفحة ١٥٨
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباسص ١٥٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي