تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| أجود أخبار النساء

ويحكى أن أمير المؤمنين الرشيد أرق ذات ليلة أرقا شديدا ، فقام من فراشه وتمشى من مقصورة إلى مقصورة ، وقلقه زائد ونفسه محصورة ، فلما أصبح قال : علي بالأصمعي ، فخرج الطواشي إلى البوابين ، فقال لهم : يقول لكم أمير المؤمنين أرسلوا أحدا خلف الأصمعي . فلما حضر أعلم الخليفة فأجلسه ورحب به وقال : يا أسمعي أريد منك أن تحدثني بأجود ما سمعت من أخبار النساء وأشعارهن ؟ فقال : سمعا وطاعة : لقد سمعت كثيرا ولم يعجبني سوى ثلاثة أبيات أنشدهن ثلاث بنات . فقال له : حدثني حديثهن . فقال : اعلم إذا أمير المؤمنين ، أني توجهت سنة إلى البصرة فاشتد لعي الحر فطلبت مقيلا أقيل فيه فلم أجد ، فبنما أنا أتلفت يمينا وشمالا ، إذا أنا بساباط مكنوس مرشوش ، وفيه دكة من خشب ، وعليها شباك مفتوح تفوح منه رائحة المسك ، فدخلت الساباط وجلست على الدكة وأردت الاضطجاع ، فسمعت كلاما عذبا من فم جارية حسناء ، وهي تقول : يا أختي ! إنا جلسنا يومنا هذا على وجه الصبوح ، تعالين نطرح ثلاثمائة دينار وكل منا تقول بيتا من الشعر ، فكل من قاتل البيت الأعذب الأملح كانت الثلاثمائة دينار لها ، فقلن : حبا وكرامة ، فقالت الكبرى : عجبت له أن زار في النوم مضجعي . . . ولو زارني مستيقظ كان أعجبا فقالت الوسطى : وما زارني في النوم إلا خياله . . . فقلت له : أهلا وسهلا ومرحبا فقالت الصغرى : بنفسي وأهلي من أرى كل ليلة . . . ضجيعي ورياه من المسك أطيبا فقلت : إن كان لهذا المقال جمال ، فقد تم الأمر على كل حال . فنزلت عن الدكة وأردت الانصراف ، وإذا بالباب قد فتح وخرجت منه جارية ، وهي تقول : اجلس يا شيخ ، فطلعت على الدكة ثانيا وجلست ، فدفعت إلي ورقة فنظرت خطا في نهاية الحسن مستقيم الألفات مجوف ألهاآت مدور الواوات مضمونه : نعلم الشيخ ، أطال الله بقاءه ، أننا ثلاث بنات أخوات جلسنا على وجه الصبوح وطرحنا ثلاثمائة دينار ، وشرطنا أن كل من قالت البيت الأعذب الأملح كان لها الثلاثمائة دينار ، وقد جعلناك الحكم في ذلك ، فاحكم بما تراه والسلام .

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس · الصفحة ١٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباسص ١٠٨