============================================================ عابد آخر رضي الله عنه قال أبو الفرج - رحمه الله - : قال أبو الحسين بن سمعون رحمه الله : اجتزت يوما على الصراة(1)، فرأيت امرأة تلتقط من ورق البقل الذي يأتي به الماء ، فقلت : لا شك أن هلذه امرأة فقيرة، فوقفت حتى رجعث، فتبعثها، فأتت إلى دار، فدخلت، فرجعث إلى بيتي، فما استقر بي الجلوس حتى أتاني خادم ومعه دنانير ودراهم، وقال لي : ادفع هذه الى محتاج، فأخذتها وقمت، فأتيت بيت المرأة، فطرقت الباب ، فخرج إلي رجل من خواص مجلسي، ومن الملازمين لي ، فلما رآني. . قال : ما حاجتك ؟ فقال : جئتكم بهذه الدنانير تستعينون بها على الوقت، فنظر إلي مغضبا وقال لي : يا شيخ؛ تحذرنا من الدنيا وتأتينا بها، ثم رد الباب في وجهي ودخل، فرجعت منكسرا إلى بيتي ، ثم قلت في نفسي : لا بد أن أعود إليه فأعتذر.
فاتيته في اليوم الثاني، فطرقت الباب مرارا، فلم يجبني أحد؛ فإذا بامرأة من الجيران تقول : ما لك يا رجل 9 فقلت لها : ما فعل أهل هذه الدار؟ فقالت : كان في هلذه الدار رجل مع والدته وكنا نتبرك بهم، فجاء بالأمس رجل، فكلمهم بما كرهوا، فانتقلوا عنا قال : فرجعت وأنا شديد الحزن على ما فعلت ، وجعلت أتفقد مجلسي فلا أرى الرجل.
فلما كان يوم عرقة وأنا أتكلم على الناس. . رأيته في أواخرهم، فلما انقضى المجلس.. مضيت إليه وسلمت عليه، فرد علي السلام وقال : لا تعد ما فات، ولا تقل شيئا ، فلولا أني أعتقد أن كلامك دواء لقلبي. . لم أحضر، وإنما غبت عنك لأنا انتقلنا إلى مكان آخر حتي لا تعرف، فقلت له: ما أتيت إلا معتذرا، ولا اعود، ثم فارقته.
(انتهى) .("الصفوة "308-307/2) .
(1) المثيت من "الصفوة ، والصراة : نهر قريب من بغداد يصب في دجلة، وفي بعض النسخ : (القراة)، وفي بعضها : (الفرات)، ولعل الصواب ما أثبت، والله أعلم