تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

منظر عام لمنى.

وطال تحديق ابني ربيعة فيه، فتحركت نفساهما رحمة له وإشفاقا من سوء ما لقي، وبعثا غلامهما النصراني عداسا إليه بقطف من عنب الحائط. فلما وضع محمد يده فيه قال: باسم الله، ثم أكل. ونظر عداس دهشا، وقال: هذا كلام لا يقوله أهل هذه البلاد! فسأله محمد عن بلده ودينه، فلما علم أنه نصراني من نينوى قال له: أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ فسأله عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال محمد: ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي. فأكب عداس على محمد يقبل رأسه ويديه وقدميه. وعجب ابنا ربيعة لما رأيا وإن لم يصرفهما ذلك عن دينهما، ولم يمنعهما من التحدث إلى عداس حين عاد إليهما يقولان: يا عداس، لا يصرفنك هذا الرجل عن دينك فهو خير من دينه.

وكأن ما أصاب محمدا من أذى خفف من سخط ثقيف وإن لم يغير من جمودهم عن متابعته. وعرفت قريش الأمر فازدادت لمحمد إيذاء، فلم يصرفه ذلك عن الدعوة إلى دين الله. وجعل يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب يدعوهم إلى الحق، ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدقوه. غير أن عمه عبد العزى بن عبد المطلب أبا لهب لم يكن يدعه، بل كان يتبعه أينما ذهب ويحرض الناس ألا يستمعوا له. ولم يكتف محمد بعرض نفسه على قبائل العرب في مواسم الحج بمكة، بل أتى كندة في منازلها، وأتى كلبا في منازلها، وأتى بني حنيفة وبني عامر بن صعصعة، فلم يسمع منهم أحد. وردوه جميعا ردا غير جميل، بل رده بنو حنيفة ردا قبيحا. أما بنو عامر فطمعوا إذا هو انتصر بهم أن يكون لهم الأمر من بعده. فلما قال لهم: إن الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء لووا عنه وجوههم وردوه كما رده غيرهم.

هل أصرت هذه القبائل على عناد محمد لمثل الأسباب التي أصرت قريش من أجلها على عناده؟ لقد رأيت بني عامر وكيف كانوا يطمعون في الملك إذا هم انتصروا وإياه. أما ثقيف فكان لها رأي آخر. فالطائف فضلا عن أنها كانت مصيف أهل مكة لجمال جوها وحلو أعنابها، قد كانت مستقر عبادة اللات، وكان لها هناك صنم يعبد ويحج إليه. فلو أن ثقيفا تابعت محمدا لفقدت اللات مكانتها، ولقامت بينها وبين قريش خصومة تترك لا ريب أثرها الاقتصادي في موسم الاصطياف. وكذلك كانت لكل قبيلة علة محلية اقتصادية كانت أقوى أثرا في إعراضها عن الإسلام من تعلقها بدينها ودين آبائها وبعبادة أصنامها.

زاد عناد هذه القبائل محمدا عزلة، كما زاده إمعان قريش في أذى أصحابه ألما وهما. وانقضى زمن الحداد على خديجة، ففكر في أن يتزوج؛ لعله يجد في زوجه من العزاء ما كانت خديجة تأسو به جراحه. على أنه رأى أن يزيد الأواصر بينه وبين السابقين إلى الإسلام متانة وقربى؛ فخطب إلى أبي بكر ابنته عائشة. ولما كانت لا تزال طفلة في السابعة من عمرها عقد عليها ولم يبن بها إلا بعد سنتين حين بلغت التاسعة. وفي هذه الأثناء تزوج من سودة أرملة أحد المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة وعادوا إلى مكة وماتوا بها. وأحسب القارئ يلمح ما في هاتين الصلتين من معنى يزداد وضوحا من بعد في صلات زواج محمد ومصاهرته.

في هذه الفترة كان الإسراء والمعراج. وكان محمد ليلة الإسراء في بيت ابنة عمه هند ابنة أبي طالب، وكنيتها أم هانئ. وقد كانت هند تقول: «إن رسول الله نام عندي تلك الليلة في بيتي فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا. فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله؛ فلما صلى الصبح وصلينا معه قال: يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم قد صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين . فقلت له: يا نبي الله لا تحدث به الناس فيكذبوك ويؤذوك. قال: والله لأحدثنهموه.»

يستند الذين يقولون بأن الإسراء والمعراج إنما كان بروح محمد إلى حديث أم هانئ هذا، وإلى ما كانت تقوله عائشة: ما فقد جسد رسول الله

حياة محمد · الصفحة ٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ٨٩