تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فت إسلام عمر في عضد قريش أن دخل في دين الله بالحمية التي كان يحاربه من قبل بها. لم يخف إسلامه ولم يستتر، بل ذهب يعلن على رءوس الملأ ويقاتلهم في سبيله، ولم يرض عن استخفاء المسلمين وذهابهم إلى شعاب مكة يقيمون الصلاة فيها بعيدين عن أذى قريش، بل دأب على نضال قريش حتى صلى عند الكعبة وصلى المسلمون معه. وأيقنت قريش أن ما تنال به محمدا وأصحابه من الأذى لن يحول دون إقبال الناس على دين الله ليحتموا من بعد ذلك بعمر وحمزة أو بالحبشة أو بمن يقدر على حمايتهم؛ فأتمرت من جديد ماذا تصنع، واتفقوا فيما بينهم وكتبوا كتابا تعاقدوا فيه على مقاطعة بني هاشم وبني عبد المطلب مقاطعة تامة، فلا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، وعلقوا صحيفة هذا العقد في جوف الكعبة توكيدا لها وتسجيلا. وكان أكبر ظنهم أن هذه السياسة السلبية وسياسة التجويع والمقاطعة ستكون أفعل أثرا من سياسة الأذى والإعنات، وإن لم ينقطعوا عن الإعنات ولا عن الأذى. وأقامت قريش على حصار المسلمين وحصار بني هاشم وبني عبد المطلب سنتين أو ثلاثا، كانت ترجو خلالها أن تصل من محمد إلى اعتزال قومه إياه، فيعود وحيدا ولا يبقى له ولا لدعوته من خطر.

فأما محمد فلم يزده ذلك إلا اعتصاما بحبل الله، ولم يزد أهله والذين آمنوا به إلا ذودا عنه وعن دين الله، ولم يحل دون انتشار الدعوة إلى الإسلام انتشارا خرج بها من حدود مكة. وذاع أمر الدعوة بين العرب وقبائلها بما جعل الدين الجديد يفشو ذكره في شبه الجزيرة بعد أن كان حبيسا بين جبال مكة، وما جعل قريشا تزيد إمعانا في تفكيرها كيف تحارب هذا الذي خرج عليها وسب آلهتها، وكيف تقف دون انتشار دعوته بين قبائل العرب، هذه القبائل التي لا غنى لمكة عنها ولا غنى لها عن مكة في التجارة المتصلة التي تصدر عن أم القرى وترد إليها.

ولقد كان ما بذلت قريش ومن مجهود في محاربة هذا الخارج عليها وعلى دينها ودين آبائها، وما ثابرت وصابرت السنين الطوال للقضاء على هذه الدعوة الجديدة، يعدو ما يتصوره العقل. هددت محمدا وهددت أهله وأعمامه. تهكمت به وبدعوته، وسخرت منه وممن اتبعه. أرسلت شعراءها تهجوه وتفري أديمه. نالته بالأذى ونالت من اتبعه بالسوء والعذاب. عرضت عليه الرشوة، وعرضت عليه الملك، وعرضت عليه كل ما يطمع الناس فيه. شردت أنصاره عن أوطانهم، وأصابتهم في تجارتهم وفي أرزاقهم. أنذرته وأنذرتهم الحرب وأهوالها وما تجني وما تدمر. وها هي ذي تحاصرهم أخيرا لتميتهم جوعا إن استطاعت إلى ذلك سبيلا. مع ذلك ظل محمد يشتد في دعوة الناس بالحسنى إلى الحق الذي بعثه الله به للناس بشيرا ونذيرا. أفآن لقريش أن تلقي سلاحها وأن تصدق الأمين الذي عرفته منذ طفولته وكل صباه وشبابه أمينا؟ أم أنها لجأت إلى سلاح غير ما قدمنا من أسلحة النضال وخيل إليها أنها مستطيعة به أن تكسب الموقعة، وأن تستبقي لأصنامها مكانة الألوهية التي تزعمها، وأن تستبقي بمكة متحف هذه الأصنام ومكان تقديسها ليبقى لمكة كل ما ينالها بسبب هذه الأصنام من تقديس؟!

كلا! لم يأن لقريش أن تذعن وأن تسلم وهي الآن أشد ما تكون خوفا من انتشار دعوة محمد بين قبائل العرب بعد أن انتشرت بمكة. وقد بقي لديها سلاح لجأت إليه منذ الساعة الأولى ولا يزال لها في قوته وفي مضائه مطمع، ذلك سلاح الدعاية: الدعاية بكل ما تنطوي عليه من مجادلة وحجج ومهاترة وترويج إشاعات وتوهين لحجة الخصم، واستعلاء بالدليل على دليله، الدعاية على العقيدة وعلى صاحب العقيدة واتهامه فيها واتهامها لذاتها. الدعاية التي لا تقف عند حدود مكة، والتي لم تكن بحاجة إليها كحاجة البادية وقبائلها وشبه الجزيرة وسائر أهلها. كان التهديد والإغراء والإرهاب والتعذيب بعض ما يغني عن الدعاية في مكة، لكنها لم تكن لتغني عنها شيئا عند الألوف الذين يفدون إلى مكة كل عام في التجارة والحج، والذين يجتمعون في أسواق عكاظ ومجنة وذي المجاز ليحجوا إلى الكعبة بعد ذلك مقربين إلى أصنامهم، ناحرين عندها، ملتمسين منها البركة والمغفرة؛ لذلك فكرت قريش منذ استحرت الخصومة بينها وبين محمد في تنظيم الدعاية عليه. وكانت في تفكيرها هذا أشد إمعانا منذ فكر هو في مبادأة الحاج بدعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وهو قد فكر في هذا بعد السنين الأولى من بعثه؛ فهو قد بدأ نبيا منذ بعثه إلى أن جاءه الوحي أن ينذر عشيرته الأقربين. فلما أنذر قريشا وأسلم منها من أسلم، وألح في الكفر والعناد من ألح، ألقى عليه أن يدعو قومه والعرب جميعا ليلقي عليه من بعد ذلك أن يدعو الناس كافة.

حياة محمد · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ٨١