مجادلة النصارى للنبي
كان نصارى شبه الجزيرة يجادلون محمدا على اختلاف نحلهم على أساس مذاهبهم. فكانوا يقولون إن المسيح هو الله، ويقولون هو ولد الله، ويقولون هو ثالث ثلاثة، وكان القائلون بألوهيته يحتجون بما سبق بيانه، ويحتج القائلون بأنه ولد الله بأنه لم يكن له أب يعلم، وأنه تكلم في المهد صبيا مما لم يقع لأحد من بني آدم، ويحتج القائلون بأنه ثالث ثلاثة بأن الله يقول: أمرنا وخلقنا وقضينا، ولو كان واحدا لقال: أمرت وخلقت وقضيت. وكان محمد يستمع لهم جميعا ويجادلهم بالتي هي أحسن. وهو لم يكن في جادلهم يشتد شدته في جدال المشركين وعباد الأصنام، بل كان يحاجهم بالوحي من طريق المنطق ومن كتبهم وما جاء فيها؛ فالله تعالى يقول:
لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير * وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء .
5
وقال تعالى:
لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار * لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم
6
وقال جل شأنه:
وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم .
7
تقول المسيحية بالتثليث وبأن عيسى ابن الله، والإسلام ينكر إنكارا صريحا باتا أن يكون لله ولد.
قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد .
8
ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه .
9
إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون .
10
والإسلام دين توحيد في أشد معاني التوحيد صفاء وقوة، وفي أشد معاني التوحيد بساطة ووضوحا. وكل ما يمكن أن يلقى ظلا على فكرة التوحيد أو صورته ينكره الإسلام ويراه كفرا.
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .
11
فمهما يكن للصورة المسيحية في التثليث من صلة تاريخية ببعض الأديان القديمة فهي ليست من الحق عند محمد في شيء. إنما الحق هو الله وحده، لا شريك له، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فلا عجب إذن أن تكون بين محمد ونصارى عهده تلك المجادلة بالتي هي أحسن، وأن يؤيد الوحي محمدا بما تلوت من الآيات.
مسألة صلب المسيح
ومسألة أخرى يختلف فيها الإسلام والنصرانية، وكانت مثار جدل بينهما في عهد النبي: تلك مسألة صلب عيسى ليفتدي بدمه خطايا الخلق. فالقرآن صريح في نفي أن اليهود قتلوا المسيح أو صلبوه، إذ يقول:
وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا * بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما .
12
ولئن كانت فكرة افتداء المسيح بدمه خطايا إخوته من بني آدم جميلة لا ريب، ويستحق ما كتب فيها دراسة من نواحيه الشعرية والخلقية والنفسية، لقد كان المبدأ الذي قرره الإسلام من أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن كل امرئ يوم القيامة مجزي بأعماله إن خيرا فخير وإن شرا فشر، يجعل التقريب المنطقي بين العقيدتين غير ممكن، ويجعل منطق الإسلام من الدقة بحيث لا تجدي معه محاولات التوفيق، مع التناقض الواضح بين فكرة الافتداء وفكرة الجزاء الذاتي.