تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وخرج وقد لان قلبه واطمأنت نفسه؛ فقصد إلى مجلس محمد وأصحابه عند الصفا. فاستأذن وأعلن إسلامه، فوجد المسلمون فيه وفي حمزة للإسلام منعة وللمسلمين حمى.

وفت إسلام عمر في عضد قريش، فأتمرت مرة أخرى ما تصنع. والحق أن هذا الحادث عزز المسلمين بعنصر جديد قوي غاية القوة، جعل موقف قريش منهم وموقفهم من قريش غير ما كان، واستتبع ما بين الطرفين سياسة جديدة مليئة بأحداث وتضحيات وقوى جديدة أدت إلى الهجرة وإلى ظهور محمد السياسي إلى جانب محمد الرسول.

الفصل السادس

| قصة الغرانيق

(عود مهاجري الحبشة - الغرانيق العلا - تمسك المستشرقين بقصتها - أسانيدهم في ذلك - ضعف هذه الأسانيد - القصة ظاهرة الكذب ينفيها التمحيص العلمي) ***

أقام المسلمون الذين هاجروا إلى الحبشة ثلاثة أشهر أسلم أثناءها عمر بن الخطاب. وعلم هؤلاء المهاجرون ما حدث على أثر إسلامه من رجوع قريش عن إيذائها محمدا ومن اتبعه، فعاد كثير منهم في رواية، وعادوا كلهم في رواية أخرى إلى مكة. فلما بلغوها رأوا قريشا عادت إلى إيذاء المسلمين وإلى الإمعان في عداوتهم أشد مما عرف هؤلاء المهاجرون من قبل، فعاد إلى الحبشة من عاد، ودخل مكة من دخل مستخفيا أو بجوار. ويقال: إن الذين عادوا استصحبوا معهم عددا آخر من المسلمين أقاموا بالحبشة إلى ما بعد الهجرة وإلى حين استتباب الأمر للمسلمين بالمدينة.

أي داع حفز مسلمي الحبشة إلى العودة بعد ثلاثة أشهر من مقامهم بها؟ هنا يرد حديث الغرانيق الذي أورده ابن سعد في طبقاته الكبرى والطبري في تاريخ الرسل والملوك، كما أورده كثيرون من المفسرين المسلمين وكتاب السيرة، والذي أخذ به جماعة المستشرقين ووقفوا يؤيدونه طويلا. وحديث الغرانيق أن محمدا لما رأى تجنب قريش إياه وأذاهم أصحابه تمنى فقال: ليته لا ينزل علي شيء ينفرهم مني، وقارب قومه ودنا منهم ودنوا منه، فجلس يوما في ناد من تلك الأندية حول الكعبة فقرأ عليهم سورة النجم حتى بلغ قوله تعالى:

أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى .

1

فقرأ بعد ذلك: تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى. ثم مضى وقرأ السورة كلها وسجد في آخرها، وهنالك سجد القوم جميعا لم يتخلف منهم أحد. وأعلنت قريش رضاها عما تلا النبي، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده. أما إذ جعلت لها نصيبا فنحن معك. وبذلك زال وجه الخلاف بينه وبينهم. وفشا أمر ذلك في الناس حتى بلغ الحبشة؛ فقال المسلمون بها: عشائرنا أحب إلينا، وخرجوا راجعين. فلما كانوا دون مكة بساعة من نهار لقوا ركبا من كنانة فسألوهم، فقالوا: ذكر آلهتهم بخير فتابعه الملأ، ثم ارتد عنها فعاد لشتم آلهتهم فعادوا له بالشر . وأتمر المسلمون ما يصنعون، فلم يطيقوا عن لقاء أهلهم صبرا فدخلوا مكة.

وإنما ارتد محمد عن ذكر آلهة قريش بالخير - في مختلف الروايات التي أثبتت هذا الخبر - لأنه كبر عليه قول قريش: «أما إذ جعلت لآلهتنا نصيبا فنحن معك.» ولأنه جلس في بيته، حتى إذا أمسى أتاه جبريل فعرض النبي عليه سورة النجم، فقال جبريل: أوجئتك بهاتين الكلمتين؟! مشيرا إلى «تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى.» قال محمد: قلت على الله ما لم يقل! ثم أوحى الله إليه:

وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا .

2

وبذلك عاد يذكر آلهة قريش بالشر ويسبهم، وعادت قريش لمناوأته وإيذاء أصحابه.

وهذا حديث الغرانيق، رواه غير واحد من كتاب السيرة، وأشار إليه غير واحد من المفسرين، ووقف عنده كثيرون من المستشرقين طويلا. وهو حديث ظاهر التهافت ينقضه قليل من التمحيص. وهو بعد حديث ينقض ما لكل نبي من العصمة في تبليغ رسالات ربه. فمن عجب أن يأخذ به بعض كتاب السيرة وبعض المفسرين المسلمين: ولذلك لم يتردد ابن إسحاق حين سئل عنه في أن قال: إنه من وضع الزنادقة.

حياة محمد · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ٧٧