تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

انتقل محمد بعد ذلك بدعوته من عشيرته الأقربين إلى أهل مكة جميعا. صعد الصفا يوما ونادى: يا معشر قريش! قالت قريش: محمد على الصفا يهتف، وأقبلوا عليه يسألونه ما له؟ قال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم تصدقون؟ قالوا: نعم! أنت عندنا غير متهم وما جربنا عليك كذبا قط. قال: فإني نذير بين يدي عذاب شديد، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا بني زهرة، يا بني تيم، يا بني مخزوم، يا بني أسد، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، وإني لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله، أو كما قال. فنهض أبو لهب - وكان رجلا بدينا سريع الغضب - فصاح: «تبا لك سائر هذا اليوم! ألهذا جمعتنا؟!»

وأرتج على محمد فنظر إلى عمه، ثم ما لبث أن جاء الوحي بقوله تعالى:

تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب .

5

لم يحل غضب أبي لهب ولا خصومة غيره من قريش دون انتشار الدعوة إلى الإسلام بين أهل مكة. فلم يكن يوم إلا أسلم فيه بعضهم لله وجهه. وكان الزاهدون في الدنيا أشد على الإسلام إقبالا. أولئك لا تلهيهم التجارة ولا يلهيهم البيع عن التأمل فيما يدعوهم الداعي إليه. وهم قد رأوا محمدا في غنى من مال خديجة وماله، وها هو ذا مع ذلك لا يعبأ بهذا المال ولا بالمزيد عليه والإكثار منه، ويدعو إلى الحب والعطف والمودة والتسامح. بل ها هو ذا يجيئه الوحي بأن في الإكثار من الثروة لعنة للروح. أليس يقول:

ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر * كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين * ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ؟

6

وأي شيء خير مما يدعو إليه محمد؟! أليس هو يدعو إلى الحرية! إلى الحرية المطلقة التي لا حدود لها! إلى الحرية العزيزة على نفس العربي عزة حياته عليه؟! نعم! أليس يطلق الناس من التقيد بأية عبادة غير عبادة الله وحده؟! أليس يحطم كل ما بينهم وبينه من أغلال؟! لا هبل ولا اللات ولا العزى ولا نار المجوس ولا شمس المصريين ولا نجوم عباد النجوم ولا الحواريون ولا أحد من الإنس أو من الملائكة أو من الجان يحجب بين الله والإنسان. وأمام الله، أمامه وحده لا شريك له، يسأل الإنسان عما قدم من خير أو شر. وأعمال الإنسان هي وحدها شفيعه. وضميره هو الذي يزن أعماله، وهو وحده صاحب السلطان عليه، وبه يحاسب يوم تجزى كل نفس بما كسبت. أية حرية أوسع مدى من هذه الحرية التي يدعو محمد إليها؟! وهل يدعو أبو لهب وأصحابه إلى شيء من مثلها؟! أم هم يدعون الناس لتظل نفوسهم في رق وعبودية بما تكدس عليها من خرافات حجبت عنها نور الحق أو ضياء الهدى؟

على أن أبا لهب وأبا سفيان وأشراف قريش وأمجادها، وأشراف المال وأمجاد اللهو، بدءوا يشعرون بما في دعوة محمد من خطر على مكانتهم، فرأوا بادئ الرأي أن يحاربوه بالحط من شأنه، وبتكذيبه فيما يزعم من نبوته. وكان أول ما صنعوا من هذا أن أغروا به شعراءهم: أبا سفيان بن الحارث، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبعرى، يهجونه ويقارعونه. وتولت طائفة من شعراء المسلمين الرد على هؤلاء من غير أن يكون محمد في حاجة إلى مساجلتهم. هنالك تقدم غير الشعراء يسألون محمدا عن معجزاته التي يثبت بها رسالته؛ معجزات كمعجزات موسى وعيسى.

فما باله لا يحيل الصفا والمروة ذهبا، ولا ينزل عليه الكتاب الذي يتحدث عنه مخطوطا من السماء؟! ولم لا يبدو لهم جبريل الذي يطول حديث محمد عنه؟! ولم لا يحيي الموتى ولا يسير الجبال حتى لا تظل مكة حبيسة بينها؟! ولم لا يفجر ينبوعا أعذب من زمزم ماء وهو أعلم بحاجة أهل بلده إلى الماء؟! ولم يقف أمر المشركين عند التهكم بالمسألة في هذه المعجزات، بل كانوا يزدادون تهكما ويسألونه: لم لا يوحي إليه ربه أثمان السلع حتى يضاربوا على المستقبل. وطال بهم اللجاج، فرد الوحي لجاجهم بما أنزل على محمد من قوله تعالى:

حياة محمد · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ٦٩