تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما بلغت القافلة مر الظهران في طريق عودتها، قال ميسرة: يا محمد، أسرع إلى خديجة فأخبرها بما صنع الله لها على وجهك فإنها تعرف ذلك لك. وانطلق محمد حتى دخل مكة في ساعة الظهيرة، وكانت خديجة في علية لها، فرأته وهو على بعيره، ونزلت حين دخل دارها واستقبلته. واستمعت إليه يقص بعبارته البليغة الساحرة خبر رحلته وربح تجارته وما جاء به من صناعة الشام، وهي تنصت مغتبطة مأخوذة. وأقبل ميسرة من بعد فروى لها عن محمد ورقة شمائله وجمال نفسه ما زادها علما به فوق ما كانت تعرف من فضله على شباب مكة. ولم يك إلا رد الطرف حتى انقلبت غبطتها حبا جعلها - وهي في الأربعين من سنها، وهي التي ردت من قبل أعظم قريش شرفا ونسبا - تود أن تتزوج من هذا الشاب الذي نفذت نظراته ونفذت كلماته إلى أعماق قلبها. وتحدثت في ذلك إلى أختها على قول، وإلى صديقتها نفيسة بنت منية على قول آخر. وذهبت نفيسة دسيسا إلى محمد فقالت له: ما يمنعك أن تتزوج؟ قال: ما بيدي ما أتزوج به. قالت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال: فمن هي؟ أجابت نفيسة بكلمة واحدة: خديجة. قال محمد: كيف لي بذلك؟! وكان قد أنس هو أيضا إلى خديجة وإن لم تحدثه نفسه بزواج منها لما كان يعلم من ردها أشراف قريش وأغنياءها. فلما قالت له نفيسة جوابا عن سؤاله: علي ذلك، سارع إلى إعلان قبوله. ولم تبطئ خديجة أن حددت الساعة التي يحضر فيها مع أعمامه ليجدوا أهلها عندها فيتم الزواج. وزوجها عمها عمر بن أسد؛ لأن خويلدا كان قد مات قبل حرب الفجار، مما يكذب ما يروى من أنه كان حاضرا ولم يكن راضيا هذا الزواج، وأن خديجة سقته خمرا حتى أخذت فيه، وحتى زوجها محمدا.

وهنا تبدأ صفحة جديدة من حياة محمد: تبدأ حياة الزوجية والأبوة: الزوجية الموفقة الهنية من جانبه وجانب خديجة جميعا، والأبوة التي تعرف من الآلام لفقد الأبناء ما عرف محمد في طفولته لفقد الآباء.

الفصل الرابع

| من الزواج إلى البعث

(صفة محمد - بناء المكيين الكعبة - حكم محمد بينهم في الحجر الأسود - حكماء قريش والوثنية - بناء محمد وبناته - موت أبنائه - زواج بناته - ميل محمد للعزلة - تحنثه في حراء - الرؤيا الصادقة - أول الوحي) ***

تزوج محمد من خديجة بعد أن أصدقها عشرين بكرة. وانتقل إلى بيتها ليبدأ وإياها صفحة جديدة من صفحات الحياة، صفحة الزوجية والأبوة، وليبادلها من جانبه حب شاب في الخامسة والعشرين لم يعرف نزوات الشباب ولا طيشه، ولا هو عرف هذا الحب الأهوج يبدأ كأنه الشعلة المتوهجة لينطفئ من بعد ذلك سراجه، وليرزق منها البنين والبنات؛ فيحتسب ولديه القاسم وعبد الله الطاهر الطيب

1

بما يثير في نفسه لاعج الحزن والألم، وتبقى له بناته وهو بهن البر والشفقة، وهن له الإكرام والإعزاز الخالص.

وكان محمد وسيم الطلعة، ربعة في الرجال ليس بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد، ضخم الرأس، ذا شعر رجل شديد سواده، مبسوط الجبين فوق حاجبين سابغين منونين متصلين، واسع العينين أدعجهما، تشوب بياضهما في الجوانب حمرة خفيفة وتزيد في قوة جاذبيتهما وذكاء نظرتهما أهداب طوال حوالك، مستوي الأنف دقيقه، مفلج الأسنان، كث اللحية، طويل العنق جميله، عريض الصدر رحب الساحتين، أزهر اللون، شثن الكفين والقدمين (أي غليظهما) يسير ملقيا جسمه إلى الأمام مسرع الخطو ثابته، على ملامحه سيما التفكير والتأمل، وفي نظرته سلطان الآمر الذي يخضع الناس لأمره. فلا عجب وتلك صفته أن تجمع خديجة بين حبه والإذعان له، ولا عجب أن تعفيه من تدبير ما لها لتقوم هي على هذا التدبير كدأبها من قبل، وأن تدع له ما شاء من فسحة الوقت ليفكر وليتأمل.

وأقام محمد وقد أغناه الله بزواج خديجة في ذروة من النسب وسعة من المال، وأهل مكة جميعا ينظرون إليه نظرة غبطة وإكبار. وكان في شغل عن نظرتهم بما أسبغه الله عليه من فضله، وما يبشره به خصب خديجة من عقب صالح. لكن ذلك لم يصرفه عن الاختلاط بهم والأخذ معهم بنصيب في الحياة العامة على ما كان يفعل من قبل، بل لقد زاده جاها بينهم ومكانة فيهم، وزاده لذلك تواضعا على جم تواضعه. فلقد كان على عظيم ذكائه وظاهر تبريزه حسن الإصغاء إلى محدثه لا يلوي عن أحد وجهه، ولا يكتفي بإلقاء السمع إلى من يحدثه، بل يلتفت إليه بكل جسمه. وكان قليل الكلام كثير الإنصات، ميالا للجد من القول، وإن كان لا يأبى أن يشارك في مفاكهة وأن يمزح ثم لا يقول إلا حقا. وكان يضحك أحيانا حتى تبدو نواجذه. فإذا غضب لم يظهر عليه من أثر الغضب إلا نفرة عرق بين حاجبيه؛ ذلك أنه كان يكظم غيظه ولا يريد أن يظهر غضبه، لما جبل عليه من سعة الصدر وصدق الهمة والوفاء للناس، ومن البر والجود وكرم العشرة، وما كان عليه إلى جانب ذلك من ثبات العزيمة، وقوة الإرادة، وشدة البأس، ومضاء التصميم مضاء لا يعرف التردد. وهذه الصفات مجتمعة فيه كان ذات أثر عميق في كل ما اتصل به، فمن رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبه. فما كان أعظم أثرها إذن فيما اتسق بينه وبين خديجة الزوج الوفية من مودة صادقة ووفاء كامل !

حياة محمد · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ٦٠