تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يحقق التاريخ سن محمد أيام حرب الفجار؛ فقيل كان ابن خمس عشرة سنة؛ وقيل: كان ابن عشرين. ولعل سبب الخلاف أن هذه الحرب استطالت أربع سنوات تجعل حاضر أولها وهو في الخامسة عشرة يلحق آخرها في جوار العشرين.

وقد اختلف فيما قام به محمد من عمل في هذه الحرب. فقال أناس: إنه كان يجمع السهام التي تقع من هوازن ويدفعها إلى أعمامه ليردوها إلى صدور خصومهم، وقال آخرون: بل اشترك فيها ورمى السهام بنفسه. وما دامت الحرب المذكورة قد امتدت فتراتها في سنوات أربع، فليس ما يمنع صحة الروايتين؛ فيكون قد جمع السهام لأعمامه أول الأمر ورمى من بعد ذلك. وقد ذكر رسول الله الفجار بعد سنوات من رسالته فقال: «قد حضرته مع عمومتي ورميت فيه بأسهم، وما أحب أني لم أكن فعلت.»

وقد شعرت قريش بعد الفجار بأن ما أصابها وما أصاب مكة جميعا بعد موت هاشم وموت عبد المطلب من تفرق الكلمة وحرص كل فريق على أن يكون صاحب الأمر، قد أطمع فيها العرب بعد ما كانت أمنع من أن يطمع فيها طامع. إذ ذاك دعا الزبير بن عبد المطلب، فاجتمعت بنو هاشم، وزهرة، وتيم، في دار عبد الله بن جدعان، فصنع لهم طعاما، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله المنتقم ليكونن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه ما بل بحر صوفة. وقد حضر محمد هذا الحلف الذي سماه العرب حلف الفضول؛ وكان يقول: «ما أحب أن لي بحلف حضرته في دار ابن جدعان حمر النعم ولو دعيت به لأجبت.»

لم تكن حرب الفجار، كما رأيت، تستغرق إلا أياما من كل عام؛ أما سائر العام فكان العرب يرجعون فيه إلى أعمالهم يزاولونها دون أن تترك الحرب في نفوسهم من المرارة ما يحول بينهم وبين التجارة والربا والشراب والتسري والأخذ من مختلف ألوان اللهو بأوفر نصيب. أفكان محمد يشاركهم في هذا؟ أم كانت رقة حاله وضيق ذات يده وكفالة عمه إياه تجعله بمنأى عنها ينظر إلى الترف نظرة المحروم والمشتهي؟ أما أنه نأى عنها فذلك ما يشهد به التاريخ. لكنه لم ينأ عنها عجزا عن النيل منها؛ فقد كان الخلعاء المقيمون بأطراف مكة والذين لا يجدون من أسباب الرزق إلا الضنك والإملاق يجدون الوسيلة إليها، بل كان بعضهم أشد من أمجاد مكة وأشراف قريش إمعانا فيها وإدمانا لها. إنما كانت نفس محمد مشغوفة بأن ترى وأن تسمع وأن تعرف. وكأن حرمانه من التعلم الذي يتعلمه بعد أنداده من أبناء الأشراف جعله أشد للمعرفة تشوقا، وبها تعلقا؛ كما أن النفس العظيمة التي تجلت من بعد آثارها وما زال يغمر العالم ضياؤها، كانت في توقها إلى الكمال ترغب عن هذا اللهو الذي يصبو إليه أهل مكة، إلى نور الحياة المتجلي في كل مظاهر الحياة لمن هداه الحق إليها، ولاكتناه ما تدل هذه المظاهر عليه وما تحدث الموهوبين به. ولذلك ظهر منذ الصبا الأول مظهر الكمال والرجولية وأمانة النفس، حتى دعاه أهل مكة جميعا «الأمين».

ومما زاده انصرافا إلى التفكير والتأمل اشتغاله برعي الغنم سني صباه تلك، فقد كان يرعى غنم أهله، ويرعى غنم أهل مكة، وكان يذكر رعيه إياها مغتبطا. وكان يقول: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم ...» ويقول: «بعث موسى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت وأنا أرعى غنم أهلي بأجياد.» وراعي الغنم الذكي القلب يجد في فسحة الجو الطلق أثناء النهار وفي تلألؤ النجوم إذا جن الليل موضعا لتفكيره وتأمله يسبح منه في هذه العوالم، يبتغي أن يرى ما ورائها، ويلتمس في مختلف مظاهر الطبيعة تفسيرا لهذا الكون وخلقه؛ وهو يرى نفسه، ما دام ذكي الفؤاد عليم القلب، بعض هذا الكون غير منفصل عنه. أليس هو يتنفس هواءه ولو لم يتنفسه قضى؟! أليست تحييه أشعة الشمس ويغمرها ضياء القمر ويتصل وجوده بالأفلاك والعوالم جميعا. هذه الأفلاك والعوالم التي يرى في فسحة الكون أمامه، متصلا بعضها ببعض في نظام محكم، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار؟! وإذا كان نظام هذا القطيع من الغنم أمام محمد يقتضي انتباهه ويقظته حتى لا يعدو الذئب على شاة منها، وحتى لا تضل إحداها في مهامه البادية، فأي انتباه وأية قوة تحفظ على نظام العالم كل إحكامه؟! وهذا التفكير والتأمل من شأنهما صرف صاحبهما عن التفكير في شهوات الإنسان الدنيا والسمو به عنها بما يبديان له من كاذب زخرفها. لذلك ارتفع محمد في أعماله وتصرفاته عن كل ما يمس هذا الاسم الذي أطلق عليه بمكة وبقي له: «الأمين».

حياة محمد · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ٥٨