هذه الفترة الأخيرة لا يمكن الاعتماد على ما دون فيها اعتمادا علميا دون تمحيصه ونقده، أدق التمحيص والنقد، بغير تأثر بالأهواء أو بنزعات المزاج الذاتي. وأول ما يجب من ذلك أن نرد مما وقع الخلاف عليه فيها كل ما لا يتفق مع القرآن، وإن نسب ما وقع عليه الخلاف إلى النبي العربي. أما صدر الإسلام الأول إلى مقتل الخليفة الثالث فيمكن الاعتماد على ما يروى مباشرة عنه، ويمكن لذلك أن يتخذ أيضا أساسا لتمحيص ما جاء بعده. وإني لأحسبنا إذا فعلنا هذا كله بدقة علمية، قديرين على أن نرسم صورة صادقة من قواعد الإسلام الصحيحة ومن الحياة الإسلامية الأولى؛ هذه الحياة العقلية والروحية التي بلغت من القوة والسمو مبلغا دفع عرب البادية من أهل شبه الجزيرة لينتشروا في الأرض خلال بضعة عقود من السنين كي يقيموا في مختلف الممالك أسمى المبادئ الإنسانية التي عرفها التاريخ. ولو أننا نجحنا في هذا لكشفنا أمام الإنسانية أفقا تصعد منه إلى معرفة أسرار الكون النفسية والروحية، وتتصل به عن طريق هذه المعرفة اتصالا يهيئ للإنسانية أسباب نعمتها وسعادتها، كما أنها ازدادت استمتاعا بما في الكون حين ازدادت اتصالا بأسرار القوة والحركة الكمينة فيه بعد أن عرفت الكهربا والأثير. ولو أننا نجحنا في هذا لكان للإسلام من الفضل على الإنسانية اليوم ما كان له في الصدر الأول، حين خرج به العرب من شبه الجزيرة لينشروا مبادئه السامية في العالم كله.
وفي مقدمة ما يجب علينا من ذلك، خدمة للحقيقة وللإنسانية، أن نتعمق في دراسة سيرة النبي العربي تعمقا يهدي الإنسانية طريقها إلى الحضارة التي تنشدها. والقرآن أصدق مرجع لهذه الدراسة؛ فهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل ولا تعلق به الريبة، وهو الكتاب الذي بقي ثلاثة عشر قرنا، وسيبقى أبد الدهر معجزة الحياة في طهارة نصوصه، مصداقا لقوله تعالى:
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ،
9
كما كان وسيبقى معجزة محمد القائمة منذ أوحاه الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فكل ما تعلق بسيرة محمد يجب أن يعرض على القرآن، فما وافقه كان حقا، وما لم يوافقه لم يكن بحق. وقد حاولت من ذلك في هذا البحث البدائي جهد طاقتي. فلما عدت إليه بعد طبعة هذا الكتاب الأولى شكرت لله توفيقه ورجوته أن يهيئ لمتابعة التعمق فيه تعمقا علميا من يحبوه هدايته، ويمده بتسديده.
ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير .
| تقديم الطبعة الثالثة1
لا تختلف هذه الطبعة الثالثة عن الطبعة الثانية في شيء اللهم إلا في بعض ألفاظ غيرت أو نقحت لمزيد من الدقة في الضبط العربي، أو شدة في الحرص على وضوح المقصود منها. وما حدث من ذلك قليل لا يكاد يحسه إلا من أراد الموازنة اللفظية بين الطبعتين. ولن يجد من يكلف نفسه هذه المئونة أي غناء فيها. ولم يكن الشعور بكمال الكتاب بعد طبعته الثانية هو الذي عدل بي عن تناول ما فيه بالتنقيح أو بالزيادة في هذه الطبعة الثالثة، فأنا لا أفتأ أكرر ما قلته، في مقدمة الطبعة الأولى، من أن هذا الكتاب لا يخرج عن أنه بداءة البحث من ناحية علمية إسلامية في موضوعه الجليل. ولكنني فصلت كثيرا مما يتصل بهذا الموضوع في كتابي «في منزل الوحي» على أثر أدائي فريضة الحج، وسيري في أثر الرسول بالحجاز وتهامة؛ فلم يكن لي أن أعود لأجمل ها هنا ما فصلته هناك. ثم إنني شغلت بعد ظهور «في منزل الوحي» عن متابعة البحث في سيرة الرسول وتعاليمه وسيرة أصحابه وخلفائه، مما كنت قد شغلت به في السنوات الثماني الأخيرة، فلم تتح لي الفرصة ولم يتح لي من فسحة الوقت ما أفصل به ما أجملت في خاتمة الطبعة الثانية. ولعل الله يوقفني فأعود من بعد إلى هذا التفصيل في كتاب مستقل. وأحسب القارئ يشاركني في هذا الدعاء بعد أن يتم تلاوة المبحثين اللذين يكونان هذه الخاتمة.