الإيمان عند أئمة المسلمين
ولو أن أمة غير مسلمة آمنت اليوم بهذا لدين من غير حاجة إلى التصديق بمعجزة غير القرآن، لكان الذين آمنوا من أبنائها أحد رجلين: رجل لم يتلجلج قلبه ولم يتعثر فؤاده، بل هداه الله إلى الإيمان أول ما دعي إليه، كما هدى أبا بكر، فآمن وصدق من غير تردد، وآخر لم يلتمس إيمانه فيما وراء سنة الكون من خوارق، بل التمسه في خلق هذا الكون الفسيح الأرجاء الذي يقصر تصورنا دون إدراك حدوده في الزمان أو في المكان، وتجري أموره مع ذلك على سنن لا تحويل لها ولا تبديل، فاهتدى من سنة الله في الكون إلى بارئه ومصوره. سواء عند هذين أكانت الخوارق أم لم تكن، بل هما لا يفكران في هذه الخوارق إلا على أنها من آيات فضل الله. ومثل هذا الإيمان يراه الكثيرون من أئمة المسلمين مثلا أسمى في الإيمان، ويذهب بعضهم كذلك إلى أن الإيمان الصحيح يجب ألا يكون مصدره خوفا من عقاب الله أو طمعا في ثوابه، بل يجب أن يكون إيمانا خالصا بالله وفناء تاما فيه. إليه يرجع الأمر كله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
المؤمنون في حياة النبي
مثل الذين يؤمنون اليوم بالله ورسوله من غير أن تحملهم المعجزات على الإيمان، كمثل الذين آمنوا بالله ورسوله في حياة النبي العربي. فلم يذكر التاريخ أن المعجزات حملت أحدا منهم على أن يؤمن؛ بل كانت حجة الله البالغة عن طريق الوحي على لسان نبيه، وكانت حياة النبي، في سموها البالغ غاية السمو، هي التي دعت إلى الإيمان من آمن منهم. وإن كتب السيرة جميعا لتذكر أن طائفة من الذين آمنوا برسالة محمد قبل الإسراء قد ارتدت عن إيمانها حين ذكر النبي أن الله أسرى به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله. ولم يؤمن سراقة بن جعشم، لما اتبع محمدا حين هجرته إلى المدينة ليأتي أهل مكة به حيا أو ميتا طمعا في مالهم، على رغم ما روت كتب السيرة من معجزة الله في سراقة وفي جواده. ولم يذكر التاريخ أن مشركا آمن برسالة محمد لمعجزة من المعجزات، كما آمن سحرة فرعون لما لقفت عصا موسى ما صنعوا.
الغرانيق وتبوك
ثم إن ما ورد في كتب السيرة والحديث عن المعجزات قد اختلف فيه أحيانا. وقد كان على الرغم من ثبوته في كتب الحديث موضع النقد أحيانا أخرى، وقد أشرنا إلى مسألة الغرانيق في هذا التقديم وذكرناها مفصلة في الكتاب. وقصة شق الصدر قد وقع الاختلاف فيها على ما روته حليمة ظئر النبي عنها لأمه، كما وقع على الزمن الذي حدثت فيه من سن محمد وما روت كتب السيرة وكتب الحديث عن قصة زيد وزينب مردود من أساسه، للأسباب التي أبديناها عند الكلام عن هذه القصة في أثناء الكتاب. وقد وقع مثل هذا الاختلاف على ما حدث أثناء مسيرة جيش العسرة إلى تبوك: فقد روى مسلم في صحيحه عن معاذ بن جبل أن النبي قال لمن سار معه إلى تبوك: إنكم ستأتون إن شاء الله غدا عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار: فمن جاء منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي. فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء. قال: فسألهما رسول الله: هل مسستما من مائها شيئا! قالا: نعم؛ فسبهما النبي وقال لهما ما شاء الله أن يقول. قال: ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء. قال: وغسل رسول الله فيه يديه ووجهه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر - أو قال غزير، شك أبو علي أيهما قال - حتى استقى الناس. ثم قال: «يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا.»
8
فأما كتب السيرة فتروي قصة تبوك على صورة أخرى لا يرد فيها ذكر المعجزة، وإنما تجري فيها الرواية على نحو غير ما ورد في صحيح مسلم. من ذلك ما رواه عنها ابن هشام إذ قال: «قال ابن إسحاق: فلما أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا ذلك إلى رسول الله فدعا رسول الله، فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد عن رجال من بني عبد الأشهل، قال: قلت لمحمود: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال: نعم! والله إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن عمه وفي عشيرته ثم يلبس بعضهم بعضا على ذلك. ثم قال محمود: لقد أخبرني رجال من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقه كان يسير مع رسول الله حيث سار؛ فلما كان من أمر الماء بالحجر ما كان ودعا رسول الله حين دعا فأرسل الله السحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس قالوا: أقبلنا عليه نقول: ويحك! هل بعد هذا شيء؟ قال: سحابة مارة.»