جامعو الحديث في عهد المأمون
إذ ذاك قام الجامعون بجمع الحديث وتولى كتاب السيرة كتابتها. فقد عاش الواقدي وابن هشام والمدائني وكتبوا كتبهم أيام المأمون. وما كان لهم ولا لغيرهم أن ينازعوا الخليفة في آرائه مخافة ما يحل بهم. لذلك لم يطبقوا، بما يجب من الدقة، هذا المقياس الذي روي عن النبي عليه السلام من وجوب عرض ما يروى عنه على القرآن، فما وافق القرآن فمن الرسول وما خالفه فليس عنه.
ولو أن هذا المقياس طبق بما يجب من دقة لتغير بعض ما كتب هؤلاء الأعلام، فالنقد العلمي على الطريقة الحديثة لا يختلف عن هذا المقياس في شيء ... لكن أحوال العصر اقتضت هؤلاء الأعلام أن يطبقوا هذا المقياس على طائفة مما كتبوا ثم لا يطبقونه على طائفة أخرى. وقد ورث المتأخرون عن السلف هذه الطريقة في كتابة السيرة لاعتبارات غير اعتباراتهم. ولو أنهم أنصفوا التاريخ لطبقوا الحديث على سيرة النبي العربي في جملتها وفي تفصيلها، دون استثناء لأي نبأ روي عنها لا يتفق مع ما ورد في القرآن الكريم؛ فما لم يكن مما تجري به سنة الكون ولم يرد ذكره في كتاب الله لم يثبتوه وما كان مما تجري به سنة الكون محصوه، ثم أثبتوا منه ما ثبت لديهم بالدليل اليقيني، وتركوا ما لم يقم الدليل عليه.
وقد أخذ بهذا الرأي جماعة من كبار الأئمة من سلف المسلمين، وتابعهم عليه أئمة الإسلام إلى يومنا هذا. قال الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي في التعريف بهذا الكتاب ما يأتي: لم تكن معجزة محمد القاهرة إلا في القرآن، وهي معجزة عقلية. وما أبدع قول البوصيري:
لم يمتحنا بما تعيا العقول به
حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم
وقال المرحوم السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار (في عددها الذي صدر في 3 من مايو سنة 1935)؛ ردا على الذين اعترضوا على كتابنا هذا، ما نصه: «أهم ما ينكره الأزهريون والطرقيون على هيكل أو أكثره مسألة المعجزات أو خوارق العادات. وقد حررتها في كتاب الوحي المحمدي من جميع مناحيها ومطاويها في الفصل الثاني وفي المقصد الثاني من الفصل الخامس، بما أثبت به أن القرآن وحده هو حجة الله القطعية على ثبوت نبوة محمد بالذات ونبوة غيره من الأنبياء وآياتهم بشهادته لا يمكن في عصرنا إثبات آية إلا بها، وأن الخوارق الكونية شبهة عند علمائه لا حجة؛ لأنها موجودة في زماننا ككل زمان مضى، وأن المفتونين بها هم الخرافيون من جميع الملل، وبينت سبب هذا الافتتان والفروق بين ما يدخل منها في عموم السنن الكونية والروحية وغيره.»
وقال الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في أول كتاب (الإسلام والنصرانية): «فالإسلام في هذه الدعوة والمطالبة بالإيمان بالله ووحدانيته لا يعتمد على شيء سوى الدليل العقلي والفكر الإنساني الذي يجري على نظامه الفطري؛ فلا يدهشك بخارق العادة، ولا يغشى بصرك بأطوار غير معتادة، ولا يخرس لسانك بقارعة سماوية، ولا يقطع حركة فكرك بصيحة إلهية. وقد اتفق المسلمون، إلا قليلا ممن لا يعتد برأيهم فيه، على أن الاعتقاد بالله مقدم على الاعتقاد بالنبوات، وأنه لا يمكن الإيمان بالرسل إلا بعد الإيمان بالله. فلا يصح أن يؤخذ الإيمان بالله من كلام الرسل، ولا من الكتب المنزلة؛ فإنه لا يعقل أن تؤمن بكتاب أنزله الله إلا إذا صدقت قبل ذلك بوجود الله. وبأنه يجوز أن ينزل كتابا أو يرسل رسولا.»
وأكبر ظني أن الذين كتبوا السيرة كانوا يؤثرون هذا الرأي، لولا أحوال العصر أيام المتقدمين، ولولا أن ظن المتأخرون في ذكر ما لم يرد به القرآن من خوارق ومعجزات ما يزيد الناس إيمانا على إيمانهم؛ لذلك حسبوا أن ذكر هذه المعجزات ينفع ولا يضر، ولو أنهم عاشوا إلى زماننا هذا، ورأوا كيف اتخذ خصوم الإسلام ما ذكروه منها حجة على الإسلام وعلى أهله، لالتزموا ما جاء به القرآن، ولقالوا بما قال به الغزالي ومحمد عبده والمراغي وسائر المدققين من الأئمة. ولو أنهم عاشوا في زماننا هذا، ورأوا كيف تزيغ هذه الروايات قلوبا وعقائد بدلا من أن تزيدها إيمانا وتثبيتا لكفاهم ذكر ما في كتاب الله من آيات بينات وحجج دامغة.