تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكثر بنو آدم على الأرض، وأرسل الله إليهم النبيين مبشرين ومنذرين. لكنهم أصروا على ضلالهم ، وبقيت حياتهم الروحية جامدة وقلوبهم مقفلة. أرسل نوحا إلى قومه فنادى فيهم: أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم، فكذبه قومه وما آمن معه إلا قليل. وتواترت النبوات بعد نوح، وتواترت الرسالات بالدعوة إلى الله وحده؛ فتغلب جمود الناس عليها وقعدت عقولهم دون إدراكها، واتخذوا من مظاهر الخلق آلهة. وكلما جاءهم رسول من عند ربهم ففريقا كذبوا وفريقا يقتلون. لكن جمودهم تزعزع بتواتر الرسالات التي كانت بذورا صالحة أبطأ نباتها، غير أنها تركت مع ذلك أثرها. وهل ذهبت كلمة الحق ضياعا أو هباء في يوم من الأيام؟! ولئن دفع الغرور الناس لينأوا بجانبهم عنها وليستهزئوا أكثر الأمر بصاحبها لقد كانوا يستعيدونها إذا خلوا إلى أنفسهم يسألونها عن مبلغ الحق فيها. وكان الذين يدركون ما تنطوي عليه من حق قلة وكانوا يستكبرون.

كانت مصر على عهد الفراعنة يؤمن كهنتها بالوحدانية، ويعلمون الناس غيرها ويعددون لهم آلهتهم. وإنما دعاهم إلى ذلك حرصهم على الاحتفاظ بسلطانهم على الناس وجاههم فيهم؛ حتى لقد حاربوا موسى وأخاه هارون حين جاءا يدعوان فرعون إلى الله ويطلبان إليه أن يرسل معهما بني إسرائيل.

ويذكر القرآن نبأ هؤلاء الأنبياء الذين تعاقبوا على الإنسانية أجيالا طوالا فظلت ممعنة في الضلال إلا قليلا هدى الله إلى الحق. وفي قصص الأنبياء ظاهرة يقف عندها النظر، ويحسن بنا - لبيانها - أن نرجع إلى عهد موسى وعيسى وما كان بعدهما من رسالة محمد عليه السلام.

هذه الظاهرة هي الانفصال أو ما يشبهه أول الأمر بين حكم العقل ومنطقه والإيمان القائم على المعجزات والخوارق. فقد آزر الله كلا من أنبيائه بمعجزة لقومه حتى يصدقوه، ولم يصدقه مع ذلك منهم إلا قليل. ولم تكفهم عقولهم ومنطقها ليدركوا أن الله خلق كل شيء، وأنه الملك الحق لا إله إلا هو.

ولما قضى الله أن يبعث موسى من مصر، خرج منها قبل بعثه خائفا يترقب حتى ورد ما مدين وتزوج من أهلها. فلما أذن الله له أن يعود

نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين * وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين * اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين .

48

ولم يؤمن سحرة فرعون بدعوة موسى حتى لقفت عصاه ما صنعوا؛ إذ ذاك ألقي السحرة سجدا قالوا: آمنا برب هارون وموسى. ومع ذلك ظل بنو إسرائيل في غيهم حتى قالوا لموسى: أرنا الله جهرة. ولما قبض موسى عادوا يذكرون عبادة العجل. وجاءهم أنبياؤهم من بعد موسى يدعونهم إلى الله فقتلوهم بغير حق. فلما عادوا من بعد ذلك إلى ذكر الله انتظروا أن يقوم فيهم نبي يرد إليهم ملكا يحكمون به العالم حكما زمنيا.

وليس هذا الحادث بالبعيد عنا في ظلمات التاريخ؛ فهو لا يرجع إلى أكثر من خمسة وعشرين قرنا. وهو مع ذلك صريح في الدلالة على غلبة منطق الحس على منطق العقل، والتصور المادي على التصور الروحي؛ وبعد أن انقضت عليه خمسة قرون أو ستة جاء عيسى يدعو قومه إلى الله يؤيده الله بروح القدس من عنده. ولما كان عيسى يهوديا، حسب اليهود أول ما نمى إليهم خبره أنه نبيهم المنتظر ليرد إلى أرض المعاد ملكها المضاع، وكانوا أكثر لهفة على هذا الملك بعد أن طال عليهم حكم الرومان وقسوتهم. على أنهم انتظروا ليتبينوا الحق من أمر عيسى. أفتراه خاطبهم بمنطق العقل وحده؟ كلا! بل كانت المعجزة طريقه إلى إقناعهم. ولئن صحت الرواية المسيحية لقد كان تحويله الماء خمرا في عرس «قانا الجليل» أول ما لفت نظر الناس إليه. وبعد ذلك كانت معجزة الأرغفة والسمكات ومعجزات إبراء المرضى وإحياء الموتى هي التي طوعت له أن يقوم بتعليم الناس من طريق القلب والعاطفة دون أن يكون للعقل ومنطقه الحظ الأول في تعاليمه. لكن هذا الحظ كان مع ذلك أوفر من حظ من سبقه من الرسل. كانت تختلط في تعاليمه دعوة العاطفة إلى الرحمة والمغفرة والمحبة بدعوة عقلية غير مدعومة بالدليل المنطقي إلى ملكوت الله. فإذا تسرب الشك إلى النفوس في أمر هذه الدعوة العقلية أذن الله بمعجزة جديدة تزيد الناس بالمسيح تعلقا وعليه إقبالا. وكان من معجزاته إبراء الأبرص والأكمه وإحياء الميت أن بلغت بمن اتبعوه في تعلقهم به مدى بعيدا، حتى حسبه بعضهم ابن الله، وحسب آخرون أنه الله تجسد على الأرض ليفتدي خطايا البشر. وهذا صريح في الدلالة على أن منطق العقل لم يكن إلى ذلك العهد قد بلغ من النضج ما يجعله وحده قديرا على إدراك الحقيقة العليا في أمر الخالق جل شأنه، وأنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

حياة محمد · الصفحة ٢٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ٢٥٨