تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا كلام واشنجتون إيرفنج. وهو كلام رجل لم تمكنه دراسته من إدراك روح الإسلام وأساس حضارته؛ فذهب هذا المذهب الخاطئ في تأويل مسألة القضاء والقدر وكتاب الأجل. ولعل له من العذر أنه وقف في بعض الكتب الإسلامية على ما جعله يذهب هذا المذهب: فأما القرآن فلا تقاس إلى جانب ما ورد فيه عبارة «أعن نفسك يعنك الله.» من حيث القوة في الدعوة إلى التعويل على الذات، وأن الناس مجزيون بأعمالهم وبالنية التي تصدر هذه الأعمال عنها. قال تعالى:

قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها .

30

وقال تعالى:

من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا .

31

وقال:

من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب .

32

وقال:

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .

33

ومثل هذا في القرآن كثير. وهو صريح في الدلالة على أن إرادة الإنسان وعمله هما مصدر مثوبته وعقابه. وقد حض الله الناس أن يسعوا في مناكب الأرض وأن يأكلوا من رزقه، وأمرهم بالجهاد في سبيله بآيات قوية غاية القوة تلوت شيئا منها في أثناء هذا الكتاب. وهذا لا يتفق وما يقوله إيرفنج وما يقول بعض رجال الغرب من أن الإسلام دين تواكل وقعود، وأنه يعلم أهله أنهم لا يملكون لأنفسهم بعملهم نفعا ولا ضرا، فلا فائدة لهم من السعي والإرادة؛ لأن السعي والإرادة معلقان بمشيئة الله؛ فإذا سعينا وكان مقدرا ألا يثمر سعينا لم يثمر، وإذا لم نسع وكان مقدرا أن نصبح أغنياء أو أقوياء أو مؤمنين أصبحنا كذلك من غير سعي ولا عمل. فالآيات التي قدمنا تناقض هذا الرأي وتنفيه.

ألم يعتمد هؤلاء الذين ينسبون تواكل المسلمين في هذه العصور الأخيرة إلى دينهم على ما جاء في القرآن من آيات القدر، كقوله تعالى:

وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا .

34

وكقوله:

ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون .

35

وكقوله:

ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير .

36

وكقوله:

قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون .

37

إن يكن ذلك ما يعتمدون عليه فقد فاتهم معنى هذه الآيات وأمثالها، وما تصوره من صلة وثيقة بين العبد وربه، ودعاهم ذلك إلى الظن بأن الإسلام يدعو إلى التواكل مع أنه الدين الذي يدعو إلى الجهاد وإلى الاستشهاد وإلى الإباء والأنفة، كما يقيم حضارته على أساس من الإخاء والرحمة.

والواقع أن هذه الآيات وما جرى مجراها تصور حقيقة عملية قررتها كثرة فلاسفة الغرب وعلمائه وأطلقوا عليها مذهب الجبرية كذلك، ونسبوا الجبر فيها إلى سنة الكون ومجموع الحياة فيه بدل أن ينسبوها إلى الله وعلمه وقدرته. وهذا المذهب الذي تقره كثرة فلاسفة الغرب أقل سعة وتسامحا وانطباقا على خير الجماعة الإنسانية من المذهب الفلسفي الذي يستخلص من القرآن الكريم، كما سنرى من بعد. وهذه الجبرية العلمية تذهب إلى أن ما لنا من اختيار في الحياة إنما هو اختيار نسبي ضئيل القدر وأن القول بهذا الاختيار النسبي يرجع إلى ضرورات الحياة الاجتماعية من ناحية علمية أكثر مما يرجع إلى حقيقة علمية أو فلسفية. فلو لم يتقرر مذهب الاختيار لتعذر على الجماعة أن تجد أساسا تقيم عليه تشريعها وحدودها، وتنظم بذلك حياتها ، وتفرض به على كل إنسان جزاء تصرفاته جزاء جنائيا أو مدنيا.

صحيح أن بين العلماء والفقهاء من لا يقيمون أساس الجزاء على الجبر ولا على الاختيار، وإنما يقيمون على ما يحدث من رد الفعل الذي تقوم به الجماعة محافظة على كيانها، كما يقوم الفرد بمثله محافظة على كيانه. وسيان عند الجماعة إذ تقوم برد الفعل هذا أن يكون الفرد مختارا وأن يكون غير مختار. على أن الاختيار في التصرف ما يزال الأساس للجزاء عند أكثر الفقهاء، ودليلهم عليه أن مسلوب الحرية والاختيار، كالمجنون والصغير والسفيه، لا يجزى عن عمله ما يجزى الرشيد الذي يميز بين الخير والشر. فإذا تخطينا هذه الاعتبارات العملية في الفقه والتشريع وأردنا أن نخلص إلى الحقيقة العلمية والفلسفية، ألفينا الجبرية هي هذه الحقيقة. فليس لأحد اختيار للعصر الذي يولد فيه، ولا للأمة التي يولد من أبنائها، ولا للبيئة التي ينشأ بينها، ولا لأبويه وفقرهما وغناهما وفضلهما ونقصهما، ولا لأنه ذكر أو أنثى، ولا لما يحيط به من أحداث لها، أغلب الأمر، الأثر الأكبر في توجيه أعماله وحياته. وقد عبر الفيلسوف الفرنسي «هيبوليت تين» عن هذا المذهب بقوله: «المرء ثمرة بيئته.» وقد ذهب غير واحد من العلماء والفلاسفة في تأييد ذلك إلى حد القول بأن علمنا لو استطاع أن يصل من معرفة سنن الحياة الإنسانية وأسرارها إلى مثل ما وصل إليه من معرفة سنن الأفلاك، لاستطاع أن يحدد بالدقة مصير كل فرد وكل أمة، كما يحدد الفلكيون بالدقة مواقيت كسوف الشمس وخسوف القمر.

حياة محمد · الصفحة ٢٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ٢٥٠