والقرآن يقرن الزكاة إلى الصلاة في كثير من المواضع. وقد تلوت قوله تعالى:
ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة .
12
ويقول تعالى:
وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين .
13
ويقول جل شأنه:
قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون .
14
والآيات التي تقرن الزكاة إلى الصلاة كثيرة.
وما ورد في القرآن عن الزكاة وعن الصدقة مستفيض قوي غاية القوة. وهو يضع الصدقة في المكان الأول من فعل الخير الذي يجزى الإنسان عليه الجزاء الأوفى. بل هو يضعها إلى جانب الإيمان بالله حتى لتشعر بأنها تكاد تعدله بقوله تعالى:
خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه * إنه كان لا يؤمن بالله العظيم * ولا يحض على طعام المسكين .
15
ويقول جل شأنه:
وبشر المخبتين * الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون .
16
ويقول تبارك وتعالى:
الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
17
ولا يقف القرآن عند ذكر الصدقات، ومثوبة صاحبها عند الله كمثوبة من آمن به وأقام الصلاة، بل ينظم أدب هذه الصدقات تنظيما هو السمو كله. يقول تعالى:
إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم .
18
ويقول:
قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم * يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى .
19
ويقول جل شأنه في بيان من تكون لهم الصدقات:
إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم .
20
الزكاة والصدقة فريضة من فرائض الإسلام، وركن من أركانه، لكن أعبادة هذا الفرض، أم هو أدخل في الأخلاق وتهذيبها؟ هو عبادة لا ريب؛ فالمؤمنون إخوة، ولا يتم إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. فالمؤمنون يتحابون بنور الله بينهم. وفريضة الزكاة والصدقة تتصل بهذا الإخاء، ولا تتصل بالأخلاق وتهذيبها ولا بالمعاملات وتنظيمها. وما اتصل بالإخاء اتصل بالإيمان بالله. وكل ما اتصل بالإيمان فهو عبادة. ولذلك كانت الزكاة ركنا من أركان الإسلام الخمسة. ومن أجل ذلك قام أبو بكر بعد وفاة النبي يطالب المسلمين بأدائها، فلما رأى بعضهم النكول عنها، رأى خليفة محمد في هذا النكول ضعفا في إيمانهم وتفضيلا للمال عليه، وخروجا على النظام الروحي الذي نزل به القرآن، وارتدادا بذلك عن الإسلام، فكانت حروب الردة التي ثبت بها أبو بكر رسالة الإسلام كاملة، والتي بقيت فخرا على الأيام.
واعتبار الزكاة والصدقة فرضا متصلا بالإيمان، يجعلهما بعض النظام الروحي الذي يجب أن ينتظم حضارة العالم. وهذا أسمى ما تبلغ إليه الحكمة وما يكفل للناس سعادتهم. فالمال والحرص عليه والاستكثار منه واتخاذه وسيلة لاستعلاء الإنسان على الإنسان، كان ولا يزال سببا لشقاء العالم ومصدرا للثورات والحروب فيه. وعبادة المال كانت ولا تزال سبب التدهور الخلقي الذي أصاب العالم، والذي لا يزال العالم يرزح تحت أعبائه. والاستكثار من المال والحرص عليه هو الذي قضى على الإخاء الإنساني، وجعل الناس بعضهم لبعض عدوا. ولو أنهم كانوا أصح نظرا وأسمى تفكيرا؛ لرأوا الإخاء أدعى للسعادة من المال، ولرأوا بذل المال للمحتاج أكبر جاها عند الله والناس من إذلال الناس لهذا المال. ولو أنهم آمنوا بالله حقا لتآخوا فيما بينهم، ولكان أدنى مظاهر تآخيهم إغاثة الملهوف، وإعانة المحتاج، ومحو الشقاء عمن تجر المتربة ويجر الفقر عليهم هذا الشقاء. وإذا كانت بعض الدول السامية الحضارة، في وقتنا الحاضر، تقيم شعوبها المستشفيات والمنشآت الخيرية لإيواء البائس، والبر بالمحروم، ورعاية الفقير، باسم الشفقة الإنسانية، فإن إقامة هذه المنشآت بدافع الإخاء والتحاب في الله والشكر له على نعمته أسمى في الفكرة وأدعى إلى سعادة الناس جميعا. قال تعالى: