1
قال محمد للجد بن قيس أحد بني سلمة: «يا جد، هل لك العام في جلاد بني الأصفر؟» فقال: «يا رسول الله، أوتأذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عجبا بالنساء مني. وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر.» (وبنو الأصفر هم الروم). فأعرض عنه رسول الله. وفيه نزلت هذه الآية:
ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين .
2
وانتهز الذين تنطوي قلوبهم على بغضاء محمد هذه الفرصة ليزيدوا المنافقين نفاقا وليحرضوا الناس على التخلف عن القتال. هؤلاء لم ير محمد أن يتهاون معهم خيفة أن يستفحل أمرهم، ورأى أن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. بلغه أن ناسا منهم يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، يثبطون الناس ويلقون في نفوسهم التخاذل والتخلف عن القتال؛ فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه، فحرق عليهم بيت سويلم، ففر أحدهم من ظهر البيت فانكسرت رجله، واقتحم الباقون النار فأفلتوا، ولكنهم لم يعودوا لمثلها، ثم كانوا مثلا لغيرهم، فلم يجرؤ أحد بعدهم على مثل فعلهم.
وقد كان لهذه الشدة في أخذ المنافقين ومن معهم أثرها؛ فقد أقبل الأغنياء وذوو اليسار فأنفقوا نفقة عظيمة لتجهيز الجيش. أنفق عثمان بن عفان وحده ألف دينار، وأنفق كثيرون غيره، كل في حدود طاقته. وتقدم كل قادر على نفقة نفسه بعدته ونفقته. وأقبل كثيرون من الفقراء يريدون أن يحملهم النبي معه، فحمل منهم من استطاع، واعتذر إلى الباقين وقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون. ولبكائهم هذا أطلق عليهم اسم البكائين. واجتمع لمحمد في هذا الجيش، الذي سمي جيش العسرة لشدة ما لاقى منذ يوم تكوينه، ثلاثون ألفا من المسلمين.
اجتمع الجيش وقام أبو بكر فيه يؤم الناس للصلاة في انتظار عود محمد من تدبير شئون المدينة في أثناء غيبته. وقد استخلف عليها محمد بن مسلمة وخلف علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم، وأصدر ما رأى أن يصدر من الأوامر، ثم عاد إلى الجيش يتولى قيادته. وكان عبد الله بن أبي قد خرج في جيش من قومه يسير به إلى جانب جيش محمد. لكن النبي رأى أن يظل عبد الله وجيشه بالمدينة، لأنه كان بعد ضعيف الثقة به وبصحة إيمانه. وأمر فتحرك الجيش، وثار النقع ، وصهلت الخيل، وارتقت نساء المدينة سقفها يشهدن هذا الجحفل الجرار، يتوجه مخترقا الصحراء صوب الشام، مستهينا في سبيل الله بالحر والظمأ والمسغبة، تاركا وراءه القواعد والخوالف ممن آثروا الظل والنعمة واللذة على إيمانهم وعلى رضا الله عنهم.
ولقد حرك منظر الجيش يتقدمه عشرة آلاف فارس ومنظر النسوة مأخوذات بجلاله وقوته بعض نفوس لم تحركها دعوة الرسول فتقاعست ولم تتبعه. رجع أبو خيثمة بعد أن رأى هذا المنظر، فوجد امرأتين له قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيه ماء وهيأ له فيه طعاما. فلما رأى الرجل ما صنعتا قال: رسول الله في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم؟! هيئا لي زادا حتى ألحق به. فهيأتا له زاده ولحق بالجيش. ولعل جماعة من الخوالف قد فعلوا فعل أبي خيثمة، بعد أن رأوا ما في التقاعس والخوف من شنار ومذلة.
وسار الجيش حتى بلغ الحجر، وبها أطلال لمنازل ثمود منقورة في الصخر. هنالك أمر رسول الله بالنزول، فاستقى الناس من بئرها. فلما راحوا قال لهم: لا تشربوا من مائها شيئا ولا تتوضئوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فأعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له. ذلك أن المكان لم يكن أحد يمر به، وكان تعصف فيه أحيانا عواصف الرمل تطمر الناس والإبل. ولقد خرج رجلان على خلاف أمر الرسول، فاحتملت أحدهما الريح وطمت الآخر الرمال. فلما أصبح الناس ألفوا هذه الرمال قد طمرت البئر فلم يبق بها ماء، ففزعوا خيفة الظمأ، وقدروا هول ما بقي من طول الطريق. وإنهم لكذلك إذ مرت بهم سحابة أمطرتهم، فارتووا وأصابوا من الماء ما شاءوا وزايلهم الفزع، وطار أكثرهم سرورا، وأقبل بعض منهم على بعض يقولون إنها معجزة. أما آخرون فقالوا: إنما هي سحابة مارة.