تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأقام محمد بمكة خمسة عشر يوما ينظم خلالها شئون مكة ويفقه أهلها في الدين. وفي هذه الأثناء بعث السرايا للدعوة إلى الإسلام لا للقتال، ولتحطيم الأصنام من غير سفك للدماء. وكان خالد بن الوليد قد خرج إلى نخلة ليهدم العزى - وكانت لبني شيبان - فلما هدمها خرج إلى جذيمة، فلما رآه القوم أخذوا السلاح؛ فطلب إليهم خالد أن يضعوه فإن الناس قد أسلموا. قال رجل من جذيمة لقومه: ويلكم يا بني جذيمة! إنه خالد. والله ما بعد وضع السلاح إلا الإسار، وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق. قال له قومه: أتريد أن تسفك دماءنا؟! إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب وأمن الناس. وما زالوا به حتى وضع سلاحه. عند ذلك أمر بهم خالد فغلوا، ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم. فلما انتهى الخبر إلى النبي رفع يديه إلى السماء وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد.» ثم بعث إليهم علي بن أبي طالب وقال له: اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك. وخرج علي ومعه مال أعطاه النبي إياه. فلما بلغ القوم دفع الدية عن الدماء وعما أصيب من الأموال، حتى إذا لم يبق شيء من دم أو مال إلا وداه، أعطاهم بقية المال الذي بعث به رسول الله احتياطا لرسول الله مما لا يعلم.

وفي الأسبوعين اللذين أقام محمد بمكة عفى على كل آثار الوثنية فيها. ولم ينتقل إلى الإسلام من مناصب البيت الحرام إلا سدانة الكعبة، أقرها النبي في عثمان بن طلحة وأبنائه من بعده حتى يرث الله الأرض ومن عليها لا يأخذها منهم إلا ظالم، وسقاية الحاج من زمزم جعلها لعمه العباس.

وكذلك آمنت أم القرى ورفعت منار التوحيد ولواءه وأضاءت العالم خلال الأجيال والقرون بنوره الوضاء.

الفصل الخامس والعشرون

| حنين والطائف

(تألب هوازن وثقيف بإمرة مالك بن عوف - تحصينهم بمضيق وادي حنين - خروج المسلمين إلى حنين تعجبهم كثرتهم - دخول المسلمين من مضيق الوادي في عماية الصبح - ضرب هوازن وثقيف إياهم من المرتفعات وارتدادهم منهزمين - ثبات محمد إلى الموت - صياح العباس بالمسلمين كي يعودوا - عودهم إلى رسول الله ومقاتلتهم وانتصارهم - الفيء - المسير إلى الطائف - حصارها وعدم إمكان اقتحامها - تحريق نخيلها - استرحامها النبي - رجوعه عن الحصار - إسلام هوازن - حديث الشيماء - العودة إلى الجعرانة وقسمة الفيء - العمرة - العودة إلى المدينة) ***

أقام المسلمون بمكة بعد فتحهم إياها فرحين بنصر الله إياهم، مغتبطين أن لم يسفك في هذا النصر العظيم إلا الدم القليل، مسارعين إلى البيت الحرام كلما أذن بلال بالصلاة، متدافعين حول رسول الله حيث أقام وحيث ذهب. يغشى المهاجرون منهم دورهم ويتصلون بأهليهم الذين هدى الله بعد الفتح، ونفوسهم جميعا مطمئنة إلى أن الأمر قد استقر للإسلام، وأن الجانب الأكبر من الجهاد قد كلل بالفوز والظفر . وإنهم لكذلك بعد خمسة عشر يوما من مقامهم بأم القرى إذ ترامت إليهم أنباء أيقظت استنامتهم للغبطة! تلك أن هوازن كانت تقيم على مقربة من مكة إلى جنوبها الشرقي في جبال هناك، فلما علمت بما تم للمسلمين من فتح مكة ومن تحطيم أصنامها. خشيت أن تدور عليها الدائرة وأن يقتحم المسلمون عليها منازلها، ففكرت فيما تصنع لاتقاء هذه الكارثة الوشيكة الوقوع ولصد محمد والكف من غلواء المسلمين الذين يعملون للقضاء على استقلال قبائل شبه الجزيرة وعلى ضمها كلها في وحدة يظلها الإسلام، لذلك جمع مالك بن عوف النصري هوازن وثقيفا، كما اجتمعت نصر وجشم ولم يتخلف عن الاجتماع من هوازن إلا كعب وكلاب.

وكان في جشم دريد بن الصمة. وكان يومئذ شيخا كبيرا لا نفع منه في الحرب، ولكنما كان الانتفاع برأيه بعد الذي عركه على السنين في وقائعها. اجتمعت هذه القبائل كلها ومعها أموالها ونساؤها وأبناؤها، وتم جمعها حين نزلت سهل أوطاس. فلما سمع دريد رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير وثغاء الشاء، سأل مالك بن عوف: لم ساق مع المحاربين أموالهم ونساءهم وصغارهم؟ فلما أجابه مالك بأنه إنما أراد أن يشجع بها المحاربين، قال دريد: وهل يرد المنهزم شيء؟! إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. واختلف هو ومالك. وتبع الناس مالكا، وكان شابا في الثلاثين من عمره، قوي الإرادة ماضي العزيمة، وتابعهم دريد ما يرد لهم، على رغم سابقته في الحرب، رأيا.

حياة محمد · الصفحة ١٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ١٩٥