تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عاد أبو سفيان إلى مكة؛ فقص على قومه ما لقي بالمدينة وما أجار بين الناس في المسجد بمشورة علي، وأن محمدا لم يجز جواره. قال قومه: ويلك! والله إن زاد الرجل على أن لعب بك. وعادوا فيما بينهم يتشاورون.

أما محمد فقد رأى ألا يترك لهم الفرصة حتى يتجهزوا للقائه. ولئن كان واثقا من قوته ومن نصر الله إياه، لقد كان يرجو أن يبغت القوم في غرة منهم، فلا يجدوا له دفعا، فيسلموا من غير أن تراق الدماء؛ لذلك أمر الناس بالتجهيز، فلما تجهزوا أعلمهم أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجد، ودعا الله أن يأخذ العيون الأخبار عن قريش حتى لا تقف من سيرهم على نبأ.

وبينما الجيش على أهبة السير كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا أعطاه امرأة من مكة مولاة لبعض بني عبد المطلب تسمى سارة، وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا ليقفوا على ما أعد محمد لهم، وحاطب كان من كبار المسلمين، ولكن في النفس الإنسانية جوانب ضعف تطغى في بعض الأحيان عليها، وتهوي بها إلى ما لا ترضاه هي لنفسها. وما لبث محمد أن أحيط بالأمر خبرا. فسارع فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام فأدركا سارة فاستنزلاها، فالتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا. فأنذرها علي إن لم تخرج الكتاب ليكشفنها. فلما رأت المرأة الجد منه قالت: أعرض. فحلت ذوائب شعرها فأخرجت الكتاب منها، فرداها إلى المدينة.

ودعا محمد حاطبا يسأله ما حمله على ذلك؟ قال حاطب: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله وما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرأ ليس له في القوم من أهل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم. قال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق. قال رسول الله: وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. وكان حاطب من أصحاب بدر. وإذ ذاك نزل قوله تعالى:

يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة .

1

وتحرك جيش المسلمين من المدينة قاصدا مكة ليفتحها، وليضع يده على البيت الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا. تحرك هذا الجيش في عدد لا عهد للمدينة به؛ فقد بعثت القبائل، من سليم ومزينة وغطفان وغيرها من انضم إلى المهاجرين والأنصار وسار معهم في يلب

2

الحديد يسيلون في فسيح الصحراء، حتى كانوا إذا ضربوا خيامهم اكتست بها رمال البيداء فما يكاد يبدو منها للناظر شيء. تحركوا وأغذ هؤلاء الألوف سيرهم، وصاروا كلما تقدموا فيه انضم إليهم من سائر القبائل من زاد عددهم وزاد منعتهم، وكلهم ممتلئ النفس بالإيمان أن لا غالب لهم من دون الله.

وسار محمد على رأسهم وأكبر همه وكل تفكيره أن يدخل البيت الحرام من غير أن يهريق قطرة دم واحدة. وبلغ الجيش مر الظهران

3

وقد كملت عدته عشرة آلاف لم يصل إلى قريش من أمرهم خبر، فهي في جدل مستمر ماذا تصنع لاتقاء عدوة محمد عليها. أما العباس بن عبد المطلب عم النبي فقد تركهم في جدلهم وخرج مع أهله حتى لقي محمدا بالجحفة.

4

ولعل طائفة من بني هاشم كانت بنبأ أو شبه نبأ من خروج النبي، فأرادت أن تلحق به دون أن يصيبها أذى. فقد خرج سوى العباس أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ابن عمته، حتى اتصلا بجيش المسلمين بنيق العقاب، واستأذنا على النبي، فرفض أن يأذن لهما، وقال لزوجه أم سلمة حين كلمته في أمرهما: لا حاجة لي بهما. أما ابن عمي فقد أصابني منه سوء. وأما ابن عمتي وصهري فقد قال بمكة ما قال. وبلغ أبا سفيان هذا الكلام فقال: والله ليؤذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا. فرق محمد، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما.

ورأى العباس بن عبد المطلب من جيوش ابن أخيه ومن قوته ما راعه وأزعجه. وهو إن كان أسلم فإن ذلك لم يخل قلبه من خشية ما يحل بمكة إذا دهمها هذا الجيش الذي لا قبل لقوة في بلاد العرب به. أوليس قد ترك مكة منذ حين، وله بها من الأهل والخلان والأصدقاء من لم يقطع الإسلام الذي دان به من وشائجهم؟! ولعله أفضى بمخاوفه هذه إلى الرسول وسأله؛ ماذا يصنع إذا ما طلبت قريش أمانه؟ ولعل ابن أخيه سر بمفاتحة العباس إياه في هذا، ورجا أن يتخذ منه سفيرا يلقي في قلوب القوم من قريش الرعب فيدخل مكة من غير أن يسفك دما، وتظل مكة حراما كما كانت وكما يجب أن تكون. وجلس العباس على بغلة النبي البيضاء وخرج عليها حتى جاء ناحية الأراك، لعله يجد حطابا أو صاحب لبن أو أي إنسان ذاهبا إلى مكة، يحمله إلى أهلها رسالة بقوة المسلمين وبأس جيوشهم، حتى يخرجوا إلى رسول الله فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة. وكانت قريش قد بدأت، منذ نزل المسلمون مر الظهران، تشعر بأن خطرا يقترب منها؛ فأرسلت أبا سفيان بن حرب، وبديل بن ورقاء، وحكيم بن حزام قريب خديجة، يتنطسون الأخبار، ويستطلعون مبلغ الخطر الذي تحس قلوبها. وإن العباس ليسير على بغلة النبي البيضاء إذ سمع حديثا بين أبي سفيان بن حرب وبديل بن ورقاء كذلك يجري:

حياة محمد · الصفحة ١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ١٩٠