وإذا كان التردد القليل من ابن رواحة مع إقدامه بعد ذلك واستشهاده، قد جعله في غير مكانة زيد وجعفر اللذين اقتحما صفوف الموت اقتحاما وطارا للاستشهاد فرحا، فما بالك بالذي ينكص على عقبيه طمعا في جاه أو مال أو غرض من أغراض الحياة؟! إنه إذن للحشرة الحقيرة وإن عرض عند السواد جاهه، وإن بز مال قارون ماله. وهل لنفس إنسانية أن تغتبط حقا لشيء اغتباطها للتضحية في جانب ما تؤمن بأنه الحق، حتى تنتهي من ذلك إلى الاستشهاد في سبيل الحق، أو إلى تمليك الحق الحياة؟!
قتل ابن رواحة بعد تردد ثم إقدام، فأخذ الراية ثابت بن أرقم أحد بني العجلان، فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد. فأخذ خالد الراية مع ما رأى من تفرق صفوف المسلمين وتضعضع قوتهم المعنوية. وكان خالد قائدا ماهرا ومحركا للجيوش قل نظيره. لذلك أصدر أوامره، فداور بالمسلمين حتى ضم صفوفهم، ووقف من محاربة العدو عند مناوشات امتدت به حتى أرخى الليل سدوله، ووضع الجيشان السلاح إلى الصباح. أثناء ذلك أحكم خالد تدبير خطته، فوزع عددا غير قليل من رجاله في خط طويل من مؤخرة جيشه أحدثوا، إذا أصبح الناس، من الجلبة ما أدخل في روع عدوه أن مددا جاءه من عند النبي. وإذا كان ثلاثة آلاف قد فعلوا بالروم الأفاعيل في اليوم الأول وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وإن لم يستطيعوا أن يثبتوا، فما عسى أن يصنع هذا المدد الذي جاء لا يدري أحد عدته! لذلك تقاعس الروم عن مهاجمة خالد وسروا بعدم مهاجمته إياهم، وكانوا أكثر سرورا بانسحابه ومن معه راجعين إلى المدينة، بعد معركة لم ينتصر فيها المسلمون وإن كان حقا كذلك أن عدوهم لم ينتصر عليهم فيها.
لذلك ما كاد خالد والجيش معه يدنون من المدينة حتى تلقاهم محمد والمسلمون معه. وطلب محمد فأتي بعبد الله بن جعفر فأخذه وحمله بين يديه. أما الناس فجعلوا يحثون على الجيش التراب ويقولون. يا فرار، فررتم في سبيل الله! فيقول رسول الله: ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله. ومع هذه التأسية من محمد للعائدين من مؤتة فقد ظل المسلمون لا يغفرون لهم انسحابهم وعودهم، حتى كان سلمة بن هشام لا يحضر الصلاة مع المسلمين خشية أن يسمع من كل من رآه: يا فرار فررتم في سبيل الله. ولولا ما كان بعد ذلك من فعال هؤلاء الذين حضروا مؤتة، ومن فعال خالد بنوع خاص، لظلت مؤتة معتبرة بعض ما لطخ به إخوانهم في الدين جبينهم من عار الفرار.
وقد بلغ الألم من نفس محمد منذ علم بقتل زيد وجعفر، وحز الأسى في نفسه من أجلهما. لما أصيب جعفر ذهب محمد إلى منزله ودخل على زوجه أسماء بنت عميس، وكانت قد عجنت عجينها وغسلت بنيها ودهنتهم ونظفتهم، فقال لها: ائتيني ببني جعفر. فلما أتته بهم تشممهم وذرفت عيناه الدمع. قالت أسماء في لهف وقد أدركت ما أصابها: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: نعم أصيبوا هذا اليوم! وازدادت عيناه بالدمع تهتانا. فقامت أسماء تصيح حتى اجتمع النساء إليها. أما محمد فخرج إلى أهله فقال: لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم. ورأى ابنة مولاه زيد قادمة فربت على كتفيها وبكى. وأظهر بعضهم دهشة لبكاء الرسول على من استشهد؛ فقال ما معناه: إنما هي عبرات الصديق يفقد صديقه.
وفي رواية أن جثة جعفر حملت إلى المدينة ودفنت بها بعد ثلاثة أيام من وصول خالد والجيش إليها. ومن يومئذ أمر الرسول الناس أن يكفوا عن البكاء؛ فقد أبدل الله جعفرا من يديه اللتين قطعتا جناحين طار بهما إلى الجنة.
أراد محمد بعد أسابيع من عود خالد أن يسترد هيبة المسلمين في شمال شبه الجزيرة، فبعث عمرو بن العاص يستنفر العرب إلى الشام؛ ذلك أن أما له كانت من قبائل تلك النواحي، فكان من اليسير عليه أن يتألفهم. فلما كان على ماء بأرض جذام يقال له السلسل، خاف فبعث إلى النبي يستمده، فأمده بأبي عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر وعمر. وخاف محمد أن يختلف عمرو، وهو حديث عهد بالإسلام، مع أبي عبيدة من المهاجرين الأولين؛ فقال لأبي عبيدة حين وجهه: لا تختلفا. وقال عمرو لأبي عبيدة: إنما جئت مددا لي فأنا على قيادة الجيش. وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا هينا عليه أمر الدنيا، فقال لعمرو: لقد قال رسول الله: لا تختلفا، وإنك إن عصيتني أطعتك. وصلى عمرو بالناس، وتقدم بالجيش فشتت جموع أهل الشام الذين أرادوا محاربته، وأعاد بذلك هيبة المسلمين في تلك الناحية.