تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم خرج أبو بصير حتى نزل العيص على ساحل البحر في طريق قريش إلى الشام، وكان عهد محمد وقريش أن تترك هذه الطريق للتجارة لا يقطعها هو ولا تقطعها قريش. فلما ذهب أبو بصير إليها وسمع المسلمون المقيمون بمكة بأمره وبما كان من إعجاب الرسول به فر منهم نحو سبعين رجلا اتخذوه لهم إماما وجعلوا وإياه يقطعون على قريش طريقها، وكانوا لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر بهم عير إلا اقتطعوها. هنالك رأت قريش أنها أكبر خسارة بحرصها على هؤلاء المسلمين أن يظلوا بمكة، وقدرت أن الرجل الصادق الإيمان، محاولة حبسه شر من إطلاق سراحه، فهو لا بد منتهز فرصة الفرار، مقيم على الذين حاولوا حبسه حربا عوانا هم فيها الأخسرون، وكأنما ذكرت قريش محمدا حين هاجر إلى المدينة وقطع عليهم طريق القوافل، وخشيت أن يكرر أبو بصير هذا الصنيع فبعثت إلى النبي تسأله بأرحامها إلا آوى هؤلاء المسلمين حتى يتركوا الطريق آمنا. ونزلت قريش بذلك عما أصر عليه سهيل بن عمرو من رد المسلمين من قريش إلى مكة إذا ذهبوا إلى محمد بغير رأي مواليهم. وسقط بذلك الشرط الذي أحفظ عمر بن الخطاب والذي كان سببا في ثورته التي ثار على أبي بكر. وآوى محمد أصحابه وعاد طريق الشام آمنا.

أما المهاجرات من قريش إلى المدينة فكان لمحمد فيهن رأي آخر. خرجت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط من بعد الهدنة، فخرج أخواها عمارة والوليد يطلبان إلى رسول الله أن يردها عليهما بحكم عهد الحديبية. لكن النبي أبى، ورأى أن هذا العهد لا ينسحب على النساء حكمه، وأن النساء إذا استجرن وجبت إجارتهن. ثم إن المرأة إذا أسلمت لم تصبح حلا لزوجها المشرك فوجب التفريق بينه وبينها. وفي ذلك نزل قوله تعالى:

يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم .

10

وكذلك صدقت الحادثات حكمة محمد وبعد نظره ودقة سياسته، وأثبتت أنه إذ عقد عهد الحديبية وضع حجرا لا ينقض في سياسة الإسلام وانتشاره، وهذا هو الفتح المبين.

اطمأنت العلاقات بعد الحديبية بين قريش ومحمد أعظم الطمأنينة، وأمن كل جانب صاحبه. واتجهت قريش كلها إلى التوسع في تجارتها، لعلها تستعيد من طريقها ما فقد أيام اتصال الحرب بين المسلمين وبينها، وحين سدت عليها طريق الشام وأصبحت تجارتها معرضة للضياع. أما محمد فاتجه بفكره إلى متابعة إبلاغ رسالته للناس جميعا في مشارق الأرض ومغاربها، ووجه نظره إلى تمهيد أسباب النجاح لطمأنينة المسلمين في شبه الجزيرة. وهذا وذاك هو ما صنع بإرسال الرسل إلى الملوك في مختلف الدول، وبإجلاء اليهود عن شبه جزيرة العرب إجلاء تاما بعد غزوة خيبر.

الفصل الحادي والعشرون

| خيبر والرسل إلى الملوك

(الإسلام والتنظيم الاجتماعي - تحريم الخمر - رسل محمد إلى الملوك والأمراء - المسلمون واليهود - غزوة خيبر - القضاء الأخير على سلطة اليهود - رد الملوك على رسل النبي - في انتظار عمرة القضاء) ***

عاد محمد والمسلمون معه من الحديبية قافلين إلى المدينة بعد ثلاثة أسابيع من تمام الصلح بينهم وبين قريش على ألا يدخلوا مكة هذا العام، وأن يدخلوا العام الذي يليه. عادوا وفي نفوسهم من أمر هذا الصلح شيء، أن اعتبره بعضهم غير متفق مع كرامة المسلمين، حتى نزلت سورة الفتح وهم في الطريق وتلاها النبي عليهم. وجعل محمد يفكر أثناء مقامهم بالحديبية وبعد عودهم منها ماذا عساه يصنع للمزيد من تثبيت أصحابه ولزيادة انتشار دعوته. وانتهى به التفكير إلى إرسال رسله إلى هرقل وكسرى والمقوقس ونجاشي الحبشة وإلى الحارث الغساني وإلى عامل كسرى في اليمن، كما انتهى به إلى ضرورة القضاء قضاء أخيرا على شوكة اليهود في شبه جزيرة العرب.

حياة محمد · الصفحة ١٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ١٧٤