تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم .

7

إلى قوله تعالى:

ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم * يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين * ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم * إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون .

وفي هذه المناسبة كذلك نزلت عقوبة رمي المحصنات:

والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون .

8

وتنفيذا لحكم القرآن أمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش وكانوا ممن أفصح بالفاحشة، فضرب كل منهم ثمانين جلدة، وعادت عائشة إلى مثل مكانها الأول من بيت محمد ومن قلبه.

يقول السير وليم موير تعليقا على هذا الحادث ما ترجمته: «إن حياة عائشة قبل هذا الحادث وبعده تدعونا إلى القطع ببراءتها وعدم التردد في إدحاض أية شبهة أثيرت حولها.»

وقد استطاع حسان بن ثابت من بعد أن يعود إلى رضا محمد وعطفه عليه، كما طلب محمد إلى أبي بكر ألا يحرم مسطحا عطفه الذي عوده إياه. ومن ثم انقضى هذا الحادث ولم يبق له في المدينة كلها أثر. وأسرع النقه إلى عائشة وعادت إلى دارها من مساكن الرسول، وإلى مكانتها من قلبه، وإلى مركزها الرفيع من نفوس أصحابه المسلمين جميعا. وبذلك فرغ النبي إلى رسالته وإلى سياسة المسلمين استعدادا لعهد الحديبية يفتح الله به على المسلمين فتحا مبينا.

الفصل العشرون

| عهد الحديبية

(بعد ست سنوات بالمدينة - دعوة محمد الناس للحج - لا قتال ولا حرب - قريش تقرر الحيلولة بين المسلمين ودخول مكة - مفاوضات الصلح - أناة محمد وسياسته - عهد الحديبية فتح مبين) ***

انقضت ست سنوات منذ هجرة النبي وأصحابه من مكة إلى المدينة، وهم فيما رأيت من جهاد مستمر متصل، بينهم وبين قريش تارة، وبينهم وبين اليهود أخرى. والإسلام في أثناء ذلك يزداد انتشارا ويزداد قوة ومنعة. ومنذ السنة الأولى من الهجرة عدل محمد بقبلته عن المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، وجعل المسلمون وجهتهم بيت الله الذي بنى إبراهيم بمكة، والذي تجدد بناؤه بعد ذلك ومحمد ما يزال في فتوة الشباب، وقد رفع إذ ذاك حجره الأسود إلى مكانه من جدار هذا البيت، وذلك قبل أن يرد بخاطره أو بخاطر أحد من الناس ما سيلقي الله عليه من رسالة.

وكان هذا المسجد الحرام إلى مئات السنين خلت وجهة العرب في عبادتهم، يحجون إليه كل عام في الأشهر الحرم، فمن دخله كان آمنا. فإذا التقى المرء بأشد الناس له عداوة لم يستطع عنده أن يجرد سيفا أو يسفك دما. لكن قريشا آلت على نفسها منذ هاجر محمد والمسلمون معه أن يصدوهم عن المسجد الحرام، وأن يحولوا بينهم وبينه دون سائر العرب. وفي ذلك نزل قوله تعالى منذ السنة الأولى للهجرة:

يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله .

1

ونزل كذلك قوله تعالى من بعد غزوة بدر:

وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون * وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون * إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون .

2

وفي هذه السنوات الست نزلت الآيات كثيرة متتابعة في هذا المسجد الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا. لكن قريشا كانت ترى محمدا والذين معه كفروا بآلهة هذا البيت: هبل وإساف ونائلة وسائر الأصنام، ولذلك كانت ترى حربهم وحرمانهم من الحج إلى الكعبة واجبا عليها حتى يثوبوا إلى آلهة آبائهم.

حياة محمد · الصفحة ١٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ١٦٧