تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت جويرية بنت الحارث من سبايا بني المصطلق، وكانت امرأة حلوة ملاحة وقد وقعت في سهم أحد الأنصار، فأرادت أن تفتدي نفسها منه ، فأغلى الفداء علما منه بأنها ابنة زعيم بني المصطلق، وأن أباها على أداء ما طلب قدير. وخشيت جويرية أثر شططه، فذهبت إلى النبي وكان في دار عائشة فقالت: «أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في سهم فلان فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابتي.» قال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو؟ قال: أقضي كتابتك وأتزوجك. فلما بلغ الناس الخبر أطلقوا من بأيديهم من أسرى بني المصطلق إكراما لصهر رسول الله إياهم، حتى لكانت عائشة تقول عن جويرية: ما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها.

هذه رواية، وتجري رواية أخرى بأن الحارث بن أبي ضرار جاء إلى النبي بفداء ابنته، وأنه أسلم بعد أن آمن برسالة النبي، وأنه أخذ ابنته جويرية فأسلمت كما أسلم أبوها فخطبها محمد إليه فزوجه إياها، وأصدقها أربعمائة درهم.

وفي رواية ثالثة: أن أباها لم يكن راغبا في هذا الزواج، بل لم يكن راضيا عنه، وأن أحد أقارب جويرية هو الذي زوجها من النبي على غير إرادة أبيها.

تزوج محمد من جويرية، وبنى لها منزلا إلى جانب منازل نسائه في جوار المسجد، وأصبحت بذلك من أمهات المؤمنين. وبينما هو في شغله بها كان قوم قد بدءوا يتهامسون. ما بال عائشة قد تأخرت عن المعسكر وجاءت مع صفوان على بعيره، وصفوان شاب وسيم الطلعة مكتمل فتوة الشباب؟! وكانت لزينب بنت جحش أخت تدعى حمنة، وكانت تعلم ما لعائشة عند محمد من حظوة تقدمها على أختها فجعلت حمنة هذه تذيع ما يهمس به الناس من أمر عائشة، وكانت تجد من حسان بن ثابت عونا، ومن علي بن أبي طالب سميعا. فأما عبد الله بن أبي فوجد في هذا الحديث مرعى خصيبا لشفاء ما في نفسه من غل وجعل يذيعه جهد طاقته. ولكن جماعة الأوس وقفوا موقف الدفاع عن عائشة، وقد كانت مضرب المثل في الطهر وسمو النفس. وكاد الحديث يؤدي إلى فتنة في المدينة.

وبلغت هذه الأخبار محمدا فاضطرب لها. ماذا؟! عائشة هذه تخونه؟! هذا مستحيل. إنها الأنفة والإباء، وإن لها من حبه إياها وشدة عطفه عليها ما يجعل مجرد ظن كهذا إثما دونه كل إثم. نعم! ولكن أف للنساء! من ذا يستطيع أن يسبر غورهن أو يصل إلى قرارة ما في نفوسهن؟! وعائشة بعد طفلة يافعة! وأي شيء هذا العقد الذي فقدته فذهبت تلتمسه جوف الليل؟ وما بالها لم تحدث له وهم ما يزالون في المعسكر من أمره ذكرا؟! وتقلب النبي على أشواك الحيرة، ما يدري أيصدق أم يكذب.

أما عائشة فلم يجرؤ أحد على أن يبلغها من كل هذا الذي يقول الناس شيئا، وإن أنكرت من زوجها جفاء لم تعرفه منه ولم يتفق في شيء مع لطفه بها وحبه إياها. ثم إنها مرضت من بعد ذلك مرضا شديدا، فكان إذا دخل عليها وأمها تمرضها لم يزد على قوله: «كيف تيكم؟» ووجدت عائشة في نفسها لما رأت من جفاء النبي إياها، وجعلت تحدث نفسها: ألا تكون جويرية قد حلت من قلبه محلها؟! وبلغ من ضيق ذرعها بجفاء النبي محمد إياها أن قالت له يوما: لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني! وانتقلت إلى أمها وفي نفسها من الدهشة لهذا التفريط في أمرها ما آذاها وآلمها. وظلت في مرضها بضعة وعشرين يوما حتى نقهت، وهي لا تعرف من كل ما يدور حول اسمها من حديث شيئا. أما محمد فقد بلغ من تأذيه بترامي هذه الأخبار إليه أن قام يوما في الناس يخطبهم فقال: «أيها الناس! ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عني غير الحق! والله ما علمت منهم إلا خيرا. ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا، وما يدخل بيتا من بيوتي إلا معي.» فقام أسيد بن حضير فقال: يا رسول الله، إن يكونوا من إخواننا الأوس نكفيكهم، وإن يكونوا من إخواننا الخزرج فمرنا بأمرك. فوالله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم. ورد عليه سعد بن عبادة بأنه إنما تقدم بهذه المقالة لأنه يعرف أنهم من الخزرج، ولو كانوا من الأوس ما قالها. وتشاور الناس وكادت تقوم الفتنة لولا حكمة الرسول وحسن مداخلته.

حياة محمد · الصفحة ١٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ١٦٥