واتصل نبأ انضمام قريظة إلى الأحزاب بمحمد وأصحابه، فاهتزوا له وخافوا مغبته. وبعث محمد سعد بن معاذ سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة بن جبير ليقفوا على جلية الأمر، على أن يلحنوا
3
به عند عودتهم إن كان حقا؛ حتى لا يفتوا في أعضاد الناس. فلما أتى هؤلاء الرسل ألفوا قريظة على أخبث ما بلغهم عنهم. فلما حاولوا ردهم إلى عهدهم طلب كعب إليهم أن يردوا إخوانهم يهود بني النضير إلى ديارهم. وأراد سعد بن معاذ، وكان حليف قريظة، أن يقنعها مخافة أن يحل بها ما حل ببني النضير أو ما هو شر منه؛ فانطلقت اليهود ووقعوا في محمد - عليه السلام - وقال كعب: من رسول الله؟! لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد. وكاد الفريقان يتشاتمان.
رجع رسل محمد بما رأوا. هنالك عظم البلاء واشتد الخوف، ورأى أهل المدينة طريق قريظة وقد فتح للأحزاب فدخلوا عليهم واستأصلوهم. ولم يكن ذلك محض خيال ووهم؛ فهم رأوا قريظة تقطع المدد والميرة عنهم، ورأوا قريشا وغطفان، منذ عاد حيي بن أخطب ينبئهم بانضمام قريظة إليهم، قد تغيرت نفسيتهم وأخذوا يعدون أنفسهم للقتال. وذلك أن قريظة استمهلت الأحزاب عشرة أيام تعد فيها عدتها على أن تقاتل الأحزاب المسلمين في هذه الأيام العشرة أشد القتال. وذلك ما فعلوا. فقد ألفوا ثلاث كتائب لمحاربة النبي؛ فأتت كتيبة ابن الأعور السلمي من فوق الوادي، وأتت كتيبة عيينة بن حصن من الجنب، ونصب له أبو سفيان من قبل الخندق. وفي هذا الموقف نزلت هذه الآيات:
إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديد * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا * وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا .
4
ولأهل يثرب أبلغ العذر إن هم بلغ منهم الفزع وزلزلت قلوبهم. ولمن قال منهم العذر في أن يقول: كان محمد يعدنا، أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. وللذين زاغت أبصارهم العذر في أن تزيغ. وللذين بلغت قلوبهم الحناجر العذر في أن تبلغها. أليس هو الموت الذي يرون آتيا تقدح بالشرر عينه، مصورة في بريق هذه السيوف تلمع في أيدي قريش وفي أيدي غطفان، وتدب إلى القلب مخافته متسللة من منازل بني قريظة الغدرة الخائنين؟! ألا ويل لليهود! ما كان أجدر محمدا بأن يقضي على بني النضير وأن يستأصلهم بدل أن يذرهم يرتحلون موفورين، وأن يذر حييا والذين معه يؤلبون العرب على المسلمين ليستأصلوهم. ألا إنها الطامة الكبرى والفزع الأكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
وسمت روح الأحزاب المعنوية، حتى دفعت بعض فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد ود، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب، أن يقتحموا الخندق، فتيمموا مكانا منه ضيقا فضربوا خيلهم فاجتازته فجالت بهم في السبخة بين الخندق، وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين فأخذوا عليهم الثغرة التي اقتحمت منها خيلهم، وتقدم عمرو بن عبد ود ينادي: من يبارز؟ ولما دعاه ابن أبي طالب إلى النزال قال في صلف: لم يا بن أخي؟! فوالله ما أحب أن أقتلك. قال علي: لكني أحب والله أن أقتلك. فتنازلا فقتله علي؛ وفرت خيل الأحزاب منهزمة، حتى اقتحمت الخندق من جديد مولية الأدبار لا تلوي على شيء. وأقبل نوفل بن عبد الله بن المغيرة على فرس له بعد ما غربت الشمس يريد أن يجتاز الخندق، فهوى هو والفرس فيه فصرعا وتحطما. وأرسل أبو سفيان يعرض دية جثته مائة من الإبل، فرفض النبي - عليه السلام - وقال: خذوه فإنه خبيث الدية.