تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس من العسير أن يقدر الإنسان قيمة نصر المسلمين وإجلاء بني النضير عن المدينة بعد الذي قدمنا من تقدير الرسول - عليه السلام - لما كان يخلقه بقاؤهم من تشجيع عوامل الفتنة، ومن دعوة المنافقين إلى أن يرفعوا رءوسهم كلما أصاب المسلمين شر، ومن التهديد بالحرب الأهلية إذا غزا المسلمين غاز من الأعداء. وفي جلاء بني النضير نزلت سورة الحشر، وفيها:

ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون * لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون * لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون

4

وتجري السورة بعد ذلك بذكر الإيمان وسلطانه، الإيمان بالله وحده لا تعرف النفس الإنسانية التي تعرف قيمتها وكرامتها لغيره سلطانا:

هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم * هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون * هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم .

5

كان كاتب سر النبي، إلى حين إجلاء بني النضير عن المدينة، من اليهود؛ ليتسنى له أن يبعث من الرسائل بالعبرية والسريانية ما يريده. فلما جلا اليهود خاف النبي أن يستعمل في أسراره غير مسلم، فأمر فتعلم زيد بن ثابت من شبان المدينة المسلمين اللغتين المذكورتين، وأصبح كاتب سر النبي في كل شئونه. وزيد بن ثابت هذا هو الذي جمع القرآن في خلافة أبي بكر، وهو الذي عاد فراقب الجمع حين اختلفت القراءات في خلافة عثمان، فوضع مصحف عثمان وأحرقت سائر المصاحف.

اطمأنت المدينة بعد إجلاء بني النضير عنها، فلم يعد المسلمون يخشون المنافقين فيها، واغتبط المهاجرون بما أصابوا من أرض اليهود؛ واغتبط الأنصار باستغناء المهاجرين عن معونتهم؛ وتنفسوا جميعا الصعداء، وكانت فترة سكينة وهدوء وطمأنينة استراح إليها المهاجرون والأنصار جميعا. وظلوا كذلك، حتى إذا استدار العام منذ أحد ذكر محمد - عليه السلام - قولة أبي سفيان: «يوم بيوم بدر والموعد العام المقبل.» ودعوته محمدا للقائه ببدر مرة أخرى. وكان العام عام جدب. وكان أبو سفيان يود لو يؤجل اللقاء إلى عام آخر، فبعث نعيما إلى المدينة يقول للمسلمين إن قريشا جمعت جيشا لا قبل لجيش في العرب بمواجهته لتحاربهم به حتى تقضي عليهم قضاء لا يعد ما تم بأحد إلى جانبه شيئا. وبدا للمسلمين أن يجتنبوا الخطر، فأظهر الكثيرون الرغبة عن النهوض والسير لبدر. لكن محمدا غضب لهذا الضعف والتراجع، وصاح بهم مقسما أنه ذاهب إلى بدر ولو ذهب وحده.

لم يبق بعد هذه الغضبة العظيمة إلا أن يذوب كل تردد ويزول كل خوف وأن يحمل المسلمون سلاحهم وأن يذهبوا إلى بدر. واستعمل النبي على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، ونزل المسلمون بدرا ينتظرون قريشا مستعدين لقتالها. وخرجت قريش مع أبي سفيان من مكة في أكثر من ألفي رجل. لكن أبا سفيان بدا له أن يرجع بعد مسيرة يومين، فنادى في الناس: يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب، وإن عامكم هذا جدب وإني راجع فارجعوا. ورجع الناس. وأقام محمد في جيش المسلمين ينتظرهم ثمانية أيام متتابعة اتجر المسلمون ببدر فيها فربحت تجارتهم، ثم عادوا إلى المدينة مستبشرين بفضل من الله ونعمة.

وفي بدر الآخرة هذه نزل قوله تعالى:

الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين * ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين * الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم * الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم * إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين .

حياة محمد · الصفحة ١٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ١٤٤