تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل الخامس عشر

| غزوة أحد

(استعداد قريش بمكة - خروجها للغزو - كيف علم به محمد

صلى الله عليه وسلم - تشاور المسلمين في التحصن بالمدينة أو الخروج لملاقاة العدو - انتصار المسلمين ثم هزيمتهم - خروج النبي من المدينة غداة أحد ليلحق بالمنتصرين فيغزوهم - عودة أبي سفيان وقريش إلى مكة) ***

لم يهدأ منذ بدر لقريش بال، ولم تغنها غزوة السويق شيئا، وزادتها سرية زيد بن حارثة التي أخذت تجارتهم حين سلوكها سبيل العراق إلى الشام حرصا على الثأر وادكارا لقتلى بدر. وكيف لقريش نسيانهم وهم أشراف مكة وساداتها وذوو النخوة والكرامة من كبارها؟! وكيف لها نسيانهم وما تزال نساء مكة تذكر كل منهن في القتلى لها ابنا أو أخا أو أبا أو زوجا أو حميما، فهي له تتوجع وعليه تبكي وتولول؟! هذا، وكانت قريش - منذ قدم أبو سفيان بن حرب بالعير التي كانت سبب بدر من الشام وعاد الذين شهدوا بدرا وسلموا من القتل فيها - قد وقفت العير بدار الندوة، واتفق كبراؤها: جبير بن مطعم وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام وحويطب بن عبد العزى وغيرهم، على أن تباع العير وأن تعزل أرباحها وأن يجهز بها جيش لقتال محمد، جرار في عدده وعدته، وأن تستنفر بها القبائل ليشاركوا قريشا في أخذهم بالثأر من المسلمين. وقد استنفروا معهم أبا عزة الشاعر الذي عفا عنه النبي من أسرى بدر، كما استنفروا معهم من اتبعهم من الأحابيش. وأصرت النسوة من قريش على أن يسرن مع الغزاة. فتشاور القوم؛ فمن قائل بخروجهن، «فإنه أقمن أن يحفظكم

1

ويذكركم قتلى بدر، ونحن قوم مستميتون لا نريد أن نرجع إلى دارنا حتى ندرك ثأرنا أو نموت دونه.»

ومن قائل: «يا معشر قريش! هذا ليس برأي أن تعرضوا حرمكم لعدوكم، ولا آمن أن تكون الدبرة

2

عليكم فتفضحوا في نسائكم.» وبينما هم يتشاورون صاحت هند بنت عتبة زوج أبي سفيان بمن يعترض خروج النساء: «إنك والله سلمت يوم بدر فرجعت إلى نسائك. نعم نخرج فنشهد القتال، ولا يردنا أحد كما ردت الفتيات في سفرهم إلى بدر حين بلغوا الجحفة

3

فقتلت الأحبة يومئذ أن لم يكن معهم من يحرضهم.» وخرجت قريش ومعها نساؤها وعلى رأسهن هند وهي أشدهن على الثأر حرقة، أن قتل يوم بدر أبوها وأخوها وأعز الناس عليها - خرجت قريش تقصد المدينة في ثلاثة ألوية عقدت في دار الندوة، وعلى اللواء الأكبر منها طلحة بن أبي طلحة، وهم ثلاثة آلاف، ليس بينهم غير مائة رجل من ثقيف، وسائرهم من مكة سادتها ومواليها وأحابيشها. وقد أخذوا معهم من العدة والسلاح الشيء الكثير، وقادوا مائتي فرس وثلاثة آلاف بعير، ومن بينهم سبعمائة دارع.

تهيأ القوم للمسير بعد أن أجمعوا عليه والعباس بن عبد المطلب عم النبي بينهم واقف على أمرهم مطلع على كل دقيق وجليل من شأنهم. وكان العباس على حرصه على دين آبائه ودين قومه يحس لمحمد شعور العصبية وشعور الإعجاب، ويذكر له حسن معاملته إياه يوم بدر. ولعل الإعجاب والعصبية اللذين جعلاه يشهد مع محمد بيعة العقبة الكبرى ويخاطب الأوس والخزرج بأنهم إن لم يكونوا مانعي ابن أخيه مما يمنعون منه نساءهم وأولادهم فليدعوه إلى أهله يذودون عنه ذيادهم من قبل، هما اللذان دفعاه حين أجمعت قريش المسير في هذا العدد العظيم إلى أن يكتب كتابا يصف فيه صنيعهم وجمعهم وعدتهم وعديدهم، ويدفع به إلى رجل غفاري يسير به إلى النبي حتى يبلغ المدينة في ثلاثة أيام فيدفعه إليه. فأما قريش فسارت حتى بلغت الأبواء، ومرت بقبر آمنة بنت وهب، فدفعت الحمية بعض الطائشين منها إلى التفكير في نبشه. ولكن زعماءها أبوا عليهم هذه الفعلة، حتى لا تكون سنة عند العرب، وقالوا لا تذكروا من هذا شيئا؛ فلو فعلنا نبشت بنو بكر وبنو خزاعة موتانا. وتابعت قريش مسيرها حتى بلغت العقيق، ثم نزلت عند السفوح من جبل أحد على خمسة أميال من المدينة.

حياة محمد · الصفحة ١٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ١٣٣