تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإلى هذا السبب في رأيي، يرجع إغراق الغربيين وغلوهم في التدين وفي الإلحاد جميعا، إغراق تعصب وكفاح لا يعرف الهوادة ولا يعرف التسامح. وإذا كان التاريخ قد عرف منهم قديسين احتذوا في حياتهم مثال السيد المسيح والحواريين، فإن التاريخ قد عرف كذلك أن حياة أمم الغرب كانت دائما حياة نضال وكفاح وحروب دامية باسم السياسة أو باسم الدين، وعرف أن بابوات الكنيسة وأرباب السلطة الزمنية كانوا في نزاع دائم يغالب بعضهم بعضا، فيتغلب هذا يوما ويتغلب ذاك يوما آخر. ولما كان الفوز في القرن التاسع عشر قد تم للسلطة الزمنية، حاولت هذه السلطة أن تقضي على الحياة الروحية باسم العلم، وأن تزعم أن العلم سيحل من الحياة الإنسانية محل الإيمان من الحياة الروحية. وها هي ذي عرفت اليوم، بعد جهاد طويل، سوء رأيها، وأن ما قصدت إليه مستحيل تحقيقه. والصيحة تعلو اليوم من جوانب الغرب المختلفة يريد أهله حياة روحية أضاعوها، فهم يتلمسونها في الثيوزوفية وغير الثيوزوفية.

15

ولو أن المسيحية كانت تلائم غرائز الكفاح التي تنشأ بحكم الطبيعة كجزء من حياة أهل الغرب، لرأيتهم - وقد شعروا بعجز الفكرة المادية عن أن تلهمهم المدد الروحي - يعودون إلى الدين المسيحي الجميل دين عيسى ابن مريم، إن لم يهدهم الله إلى الإسلام، ولما كانوا في حاجة إلى هذه الهجرة إلى الهند وإلى غيرها يستمدون منها حياة روحية يشعر الإنسان بالحاجة إليها حاجته إلى التنفس؛ لأنها بعض طبعه، بل لأنها بعض نفسه وكيانه.

الاستعمار والدعوة ضد الإسلام

وقد عاون الاستعمار الغربي أهله على الاستمرار في الحملة التي أثاروها على الإسلام وعلى محمد، ودعاهم ليقولوا ما قال أهل مكة حين أرادوا أن يحملوا النصرانية عار هزيمة هرقل والروم أمام فارس، فقد قالوا - ولا يزال الكثيرون منهم يقولون - إن الإسلام هو السبب في انحطاط الشعوب الآخذة به وفي خضوعهم لغيرهم. وهذه فرية يكفي لإدحاضها أن يذكر قائلها أن الشعوب الإسلامية ظلت صاحبة الحضارة الغالبة وصاحبة السيادة على العالم المعروف كله قرونا متوالية، وأنها كانت محط رجال العلم والعلماء، وموئل الحرية التي لم يعرفها الغرب إلا من أمد قريب. فإذا أمكن أن ينسب انحطاط طائفة من الشعوب إلى الدين الذي تؤمن به فلا يكون هذا الدين الإسلام، وهو الذي حفز بدو شبه جزيرة العرب وأثارهم ومكن لهم من حكم العالم.

الإسلام وما صارت إليه الشعوب الإسلامية

على أن لهؤلاء الذين يحملون الإسلام وزر انحطاط الشعوب الإسلامية من العذر أن أضيف إلى دين الله شيء كثير لا يرضاه الله ورسوله، واعتبر من صلب الدين ورمي من ينكره بالزندقة. وندع الدين جانبا ونقف عند سيرة صاحبه عليه الصلاة والسلام. فقد أضافت أكثر كتب السيرة إلى حياة النبي ما لا يصدقه العقل ولا حاجة إليه في ثبوت الرسالة، وما أضيف من ذلك قد اعتمد عليه المستشرقون واعتمد عليه الطاعنون على الإسلام ونبيه وعلى الأمم الإسلامية واتخذوه تكأتهم في مطاعنهم المثيرة لنفس كل منصف. اعتمدوا عليه وعلى ما ابتدعوه من عندهم وما زعموا أنهم يكتبونه على الطريقة العلمية الحديثة، هذه الطريقة التي تعرض الحوادث والناس والأبطال فتصدر بعد ذلك حكمها عادلا إن هي رأت لإصدار حكم محلا. فإذا أنت وقفت عند ما كتبه هؤلاء رأيته تمليه شهوة الجدل والتجريح، مصوغا في عبارة لا تخلو من براعة تستهوي إخوانهم في العقيدة إلى الظن بأن البحث العلمي المجرد النزاع إلى الحقيقة وحدها يريد أن يستشفها من وراء كل الحجب، هو الذي وجه هؤلاء المتعصبين من الكتاب والمؤرخين. على أن السكينة التي ينزلها الله على نفوس الراضين من الناس، كتابا وعلماء، قد أدت بآخرين من أحرار الفكر ومن المسيحيين ليكونوا أدنى إلى العدل وأحرص على النصفة.

حياة محمد · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ١١