هنا يبدأ طور جديد من أطوار حياة محمد لم يسبقه إليه أحد من الأنبياء والرسل. هنا يبدأ طور السياسي الذي أبدى محمد فيه من المهارة والمقدرة والحنكة ما يجعل الإنسان يقف دهشا ثم يطأطئ الرأس إجلالا وإكبارا. كان أكبر همه أن يصل بيثرب - موطنه الجديد - إلى وحدة سياسية ونظامية لم تكن معروفة من قبل في سائر أنحاء الحجاز، وإن كانت قد عرفت قبل ذلك بكثير في بلاد اليمن. فتشاور هو ووزيراه أبو بكر وعمر؛ فكذلك كان يسميهما. وقد كان أول ما انصرف إليه تفكيره بطبيعة الحال تنظيم صفوف المسلمين وتوكيد وحدتهم، للقضاء على كل شبهة في أن تثور العداوة القديمة بينهم. ولتحقيق هذه الغاية دعا المسلمين ليتآخوا في الله أخوين أخوين. فكان هو وعلي بن أبي طالب أخوين. وكان عمه حمزة ومولاه زيد أخوين ، وكان أبو بكر وخارجة بن زيد أخوين.
وكان عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك الخزرجي أخوين. وتآخى كذلك كل واحد من المهاجرين الذين كثر عددهم بيثرب، بعد أن تلاحق إليها سائر من كان منهم بمكة في أعقاب هجرة الرسول إياها، مع واحد من الأنصار إخاء جعل له الرسول حكم إخاء الدم والنسب. وبهذه المؤاخاة ازدادت وحدة المسلمين توكيدا.
وأظهر الأنصار من كرم الضيافة لإخوانهم المهاجرين ما تقبله هؤلاء أول الأمر مغتبطين؛ ذلك أنهم تركوا مكة، وتركوا وراءهم ما يملكون فيها من مال ومتاع، ودخلوا المدينة ولا يكاد الكثيرون منهم يجدون قوتهم. ولم يكن منهم على جانب من الثراء والنعمة غير عثمان بن عفان؛ أما الآخرون فقليل منهم من احتمل من مكة شيئا ينفعه. وقد ذهب حمزة عم الرسول يوما يطلب إليه أن يجد له ما يقتات به. وكان عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين، ولم يكن عبد الرحمن يملك بيثرب شيئا. فعرض عليه سعد أن يشاطره ماله؛ فأبى عبد الرحمن وطلب إليه أن يدله على السوق، وفيها بدأ يبيع الزبد والجبن، واستطاع بمهارته التجارية أن يصل إلى الثروة في زمن قصير وأن يمهر إحدى نساء المدينة، وأن تكون له قوافل تذهب في التجارة وتجيء. وصنع كثير غير عبد الرحمن من المهاجرين صنيعه؛ فقد كان لهؤلاء المكيين من الدراية في شئون التجارة ما قيل معه عن أحدهم: إنه ليحيل بالتجارة رمل الصحراء ذهبا.
أما الذين لم يشتغلوا بالتجارة، ومن بينهم أبو بكر وعمر وعلي بن أبي طالب وغيرهم. فقد عملت أسرهم في الزراعة في أراضي الأنصار مزارعة مع ملاكها. وكان غير هؤلاء وأولئك يلقون من الحياة شدة وبأساء؛ لكنهم كانوا يأبون أن يعيشوا كلا على غيرهم؛ فكانوا يجهدون أنفسهم في العمل أشد الجهد، ويجدون في ذلك من لذة الطمأنينة لأنفسهم ولعقيدتهم ما لم يكونوا يجدونه بمكة. على أن جماعة من العرب الذين وفدوا على المدينة وأسلموا، كانوا في حال من العوز والمتربة، حتى لم يكن لأحدهم سكن يلجأ إليه . هؤلاء أفرد محمد لهم صفة المسجد (وهي المكان المسقوف منه) يبيتون بها ويأوون إليها؛ ولذلك سموا أهل الصفة، وجعل لهم رزقا من مال المسلمين والأنصار الذين آتاهم الله رزقا حسنا.
اطمأن محمد إلى وحدة المسلمين بهذه المؤاخاة. وهي لا ريب حكمة سياسية تدل على سلامة تقدير وبعد نظر، نتبين مقدارهما حين نقف على ما كان من محاولة المنافقين الوقيعة بين الأوس والخزرج من المسلمين وبين المهاجرين والأنصار لإفساد أمرهم. لكن العمل السياسي الجليل حقا والذي يدل على أعظم الاقتدار، ذلك ما وصل به محمد إلى تحقيق وحدة يثرب وإلى وضع نظامها السياسي بالاتفاق مع اليهود على أساس متين من الحرية والتحالف. وقد رأيت اليهود كيف أحسنوا استقباله أملا في استدراجه إلى صفوفهم. وقد بادر هو إلى رد تحيتهم بمثلها، وإلى توثيق صلاته بهم؛ فتحدث إلى رؤسائهم وتقرب إليه كبراؤهم، وربط بينه وبينهم برابطة المودة باعتبار أنهم أهل كتاب موحدون. وبلغ من ذلك أن كان يصوم يوم صومهم، وكانت قبلته في الصلاة ما تزال إلى بيت المقدس قبلة أنظارهم ومثابة بني إسرائيل جميعا. وما كانت الأيام لتزيده باليهود أو لتزيد اليهود به إلا مودة وقربى. كما أن سيرته، وعظيم تواضعه، وجميل عطفه، وحسن وفائه، وفيض بره بالفقير والبائس والمحروم، وما أورثه ذلك من قوة السلطان على أهل يثرب؛ كل ذلك وصل بالأمر بينه وبينهم وإلى عقد معاهدة صداقة وتحالف وتقرير لحرية الاعتقاد.